مدحت محي الدين يكتب : ” لا ثمنها غالى “

0 3

ظاهرة غريبة ظهرت بالآونة الأخيرة، أبطالها شباب من محافظات مختلفة، مستواهم الاجتماعي مختلف، مجال دراستهم مختلف، ثقافتهم مختلفة، أعمارهم مختلفة، حتى حالتهم الإجتماعية مختلفة، العامل المشترك الوحيد بينهم هو رد فعلهم تجاه رفض الآخرين لهم عن طريق اللجوء لإستخدام العنف الذي وصل معهم إلى حد القتل، صدرت هذه الجرائم عن الجنسين؛ الجرائم التي حدثت من شباب تقدموا لخطبة زميلاتهن و عندما رفضن أزهقوا أرواحهن، و الجرائم التي حدثت من صيدلانية و أهلها ضد زوجها الصيدلي الذي تزوج بأخرى، تفاصيل تلك الجرائم موجودة على صفحات التواصل الاجتماعي و المواقع الإخبارية فلا داعي لاستعادة التفاصيل توفيرا للوقت و لكن دعونا نركز على المهم و هو هذه الظاهرة و محاولة أن نفهم أسبابها لعلاجها و القضاء على تلك الظاهرة المرعبة التي زلزلت المجتمع و هددت أمن أفراده.
تعددت نظريات علماء النفس حول هذا النوع من الجرائم، والبعض أطلق عليها “جرائم الشغف”، و في محاولة لتحديد الأعراض أو الاضطرابات النفسية التي قد تظهر على القاتل ذكرت مصطلحات مثل؛ الهوس، جنون العظمة، النرجسية، السيكوباتية، السادية و غيرها من المصطلحات التي تحتاج للبحث و القراءة، محاولة فهم الظاهرة من هذا الجانب تؤكد بشدة على أهمية توعية أفراد المجتمع بعلم النفس و المشاكل النفسية التي يعاني منها الجميع لأنها أساس من أساسيات تعامل البشر؛ عندما تفهم نفسية الإنسان الذي تحدثه مؤكد ستجنب نفسك العديد من المشاكل و قد تنجو بنفسك و حياتك.
هناك ارتباط وثيق بين نشأة الشخص و بين حالته النفسية؛ فالنشأة و التربية السليمة هم أساس الشخصية السوية السليمة، و هنا يأتي دور الآباء أولا ثم دور المدرسة ثم دور الإعلام؛
أولا؛ دور الآباء و هو تربية الأبناء و الاهتمام بتنشئة أطفال أسوياء تماما مثل الاهتمام بتغذية و نظافة الأجساد، مراعاة عدم استخدام العنف وقت العقاب، و الرقابة على كل مايتابعه الأبناء على التلفاز أو الانترنت، مع الاهتمام بكل مايحيط الطفل من تفاصيل و معرفة كل شخص في حياة الطفل من أقارب و أصدقاء، بالإضافة إلى الاستماع للطفل و مشاكله مهما كانت في نظر الآباء تافهة، كل هذه التفاصيل إذا تمت مراعاتها من شأنها أن تنقذ مجتمع كامل. من أهم الدروس التي يجب أن يعلمها الآباء للأبناء “كيفية تقبل الرفض” يجب أن يتعلم الطفل أنه ليس من الطبيعي أن يحصل الإنسان على كل مايريد، و أنه يجب أن يحترم رغبات الآخرين، و أنه طبيعي أن يرفض بعض الأشخاص و أن يتم رفضه من بعض الأشخاص، ليس معنى ذلك أنه سئ والا في هذا الرفض إهانة بل معناه أنهم لم يتفقوا أو لم تتآلف طباعهم فبالتالي الأسلم أن يذهب الكل بسلام بطريقه و أنه حتما سيجد من يتفق معهم و تتآلف طباعهم و أرواحهم، يجب أن يتعلم الطفل أن يكون رحيما عطوفا و أن ينبذ العنف و حب التملك و أن فرض السيطرة يكون على نفسه و ليس على الآخرين.
ثانيا؛ دور المدرسة و هو التعليم و التوعية و إكمال جزء التربية مع الآباء، تأثير المعلم و نصائحه على الأطفال قد يكون أقوى من تأثير الآباء في بعض الأحيان، كما يجب على المعلم أن يراعي أسلوبه في التعامل مع التلاميذ حتى لا يتسبب في أذى نفسي للتلاميذ والا يفقد مكانته و احترامه بين الناس؛ فلا يجب عليه أن يكون متنمرا أو عدوانيا أو عنيفا أو ساخرا، حتى في أوقات التهريج يجب أن يكون رحيما و ذكيا في انتقاء الكلمات.
ثالثا؛ دور الإعلام و هو نشر الوعي و الحث على التمسك بالأخلاق القويمة و البعد عن كل مايروج للعنف أو البلطجة، للأسف عانى المجتمع على مدار سنوات من انحدار مستوى الدراما و السينما و أغاني المهرجانات التي أدت إلى إنحدار كبير في مستوى الأجيال الشابة الأخلاقي حيث قدمت بعض الأعمال نموذج البلطجي على أنه قدوة و للأسف اقتدى بهذا النموذج الكثيرين و أصبحنا نرى أشباه هذا النموذج في الشوارع و الأفراح الشعبية و في كل مكان. أثبت الواقع أنه ليس كافيا أبدا بأن ينتهي الفيلم أو العمل الدرامي بعقاب أو مقتل النموذج البلطجي فاللذين اقتدوا به أعجبتهم النهاية، نعم أعجبتهم فنحن نتحدث عن أناس غير أسوياء.
الموضوع خطير و يحتاج للتركيز و الاستفاضة في الحديث عنه و التوعية به أكثر، و يحتاج إلى التعاون من الجميع للقضاء على هذه الظاهرة البشعة، لذلك للحديث بقية في مقالات أخرى بإذن الله.

بنك مصر مقالات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.