أخبار المدن

الأمن المائي المصري بين الواقع والتحديات المستقبلية

في وقتٍ تتزايد فيه التحديات المائية، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا: هل كانت مشروعات مصر المائية ترفًا أم ضرورة؟ سنوات من الجدل صاحبت خطط تبطين الترع، مفيض توشكي، النهر الصناعي ومحطات المعالجة والتحلية.

البعض رأى فيها إهدارًا للموارد، فيما اعتبرها آخرون استثمارًا استراتيجيًا..لكن مشهد فيضان النيل الأخير وفتح إثيوبيا لسد النهضة لخمسة أيام متواصلة خشية انهياره قدّم إجابة عملية: لولا هذه المشروعات، إلى أين كانت ستذهب كل هذه الكميات؟

مصر تعتمد بنسبة تفوق 90 في المائة على مياه النيل، بينما لا تتجاوز حصتها السنوية 55 مليار متر مكعب، في مقابل احتياجات تصل إلى أكثر من 90 مليار.

هذا العجز، الذي يُقدّر بحوالي 35 مليار متر مكعب سنويًا، يجري تعويضه عبر إعادة الاستخدام والتحلية، ومع ذلك تراجع نصيب الفرد إلى نحو 570 مترًا مكعبًا فقط، أي أقل من خط الفقر المائي العالمي.

في هذا السياق يصبح من المنطقي أن تُضخ استثمارات تتجاوز 50 مليار دولار حتى عام 2037 لتقليل الفاقد وإضافة مصادر جديدة.

سد النهضة الإثيوبي بسعته التخزينية البالغة 74 مليار متر مكعب يظل عنصرًا ضاغطًا. ورغم أن هدفه المعلن هو توليد الكهرباء بطاقة قد تصل إلى 5150 ميغاواط، إلا أن غياب اتفاق قانوني ملزم حول تشغيله يجعله سيفًا معلقًا على دول المصب.

المفارقة أن إثيوبيا نفسها وجدت نفسها مضطرة لفتح بواباته تحت ضغط الفيضانات، لتتدفق المياه إلى مجرى النهر. هنا يظهر الفارق بين من استعد بمفيضات ومحطات معالجة وتبطين شبكات الري، وبين من ترك الأمر للظروف.

المحطة الأكبر في العالم، بحر البقر، بطاقة 5.6 مليون متر مكعب يوميًا، ومعها محطة الدلتا الجديدة بطاقة 7.5 مليون، تُجسدان محاولة مصرية لإعادة تدوير المياه على نطاق غير مسبوق.

كما أن خطة التحلية تستهدف إنتاج ما يقارب مليار متر مكعب سنويًا، وهي أرقام تضع مصر في مصاف الدول الأكثر استثمارًا في هذا القطاع.

هذه الأرقام لا تُخفي أن بعض المشروعات تأخر تنفيذها، أو أن مستوى الشفافية في عرض تكلفتها وجدواها لا يزال بحاجة إلى تطوير، لكن المؤكد أنها أصبحت شبكة أمان لا غنى عنها.

المستقبل يفرض أجندة أكثر تعقيدًا، فالتغيرات المناخية تتوقع لها دراسات الأمم المتحدة أن تخفض تدفقات النيل الأزرق بنسبة تصل إلى 15 في المائة بحلول منتصف القرن، مع تزايد احتمالية موجات الجفاف والفيضانات معًا.

ومع تضاعف عدد سكان مصر المتوقع أن يقترب من 160 مليون نسمة بحلول 2050، قد ينخفض نصيب الفرد من المياه إلى أقل من 350 مترًا مكعبًا سنويًا، ما يعني أزمة وجودية تمس الغذاء والطاقة والتنمية.

الرؤية المستقبلية تقتضي التوسع في التحلية والمعالجة بما يتجاوز 6 مليارات متر مكعب سنويًا بحلول منتصف القرن، والتحول إلى زراعة ذكية أقل استهلاكًا للمياه، وتعميم نظم الري الحديثة بدلًا من الغمر الذي يهدر قرابة 30 في المائة من الموارد.

وفي المقابل، تظل الدبلوماسية المائية أداة لا غنى عنها للوصول إلى اتفاق قانوني ملزم مع إثيوبيا والسودان، يضمن الاستقرار ويحول دون الانزلاق إلى صدام لا يريده أحد.

المعادلة إذن واضحة: الداخل وحده لا يكفي، والخارج وحده لا يُغني، الأمن المائي المصري يُبنى بمزيج من التخطيط الصارم، والاستثمار الجريء، والدبلوماسية النشطة، والوعي الشعبي.

عندها فقط يمكن القول إن مصر لا تدافع عن حاضرها فحسب، بل تؤسس لصمود مائي يضمن حياة أجيال قادمة في مواجهة أصعب التحديات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى