أخبار المدن

الاختلاف الثقافي تحت مقصلة منظومة الملكية الفكرية: هل تُقيد المعايير الإبداع؟

تقرير يكتبه : - محمد درويش

أوصت نيابة النقض مؤخرًا برفض الطعن المقدم من الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، في حكم المحكمة الاقتصادية بإلزامها بدفع تعويض مالي قدره 100 ألف جنيه وسحب كتابها من التداول، بعد ثبوت تعدي على حقوق ملكية فكرية للكتاب الصادر عن الأستاذة سهير عبد الحميد بعنوان سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب الدمرداشية.

لكن عند مطالعة غلاف الكتابين يظهر أن لكل كتاب هدف ومنهج مختلف .. كتاب الأستاذة سهير عبد الحميد تناول شخصية قوت القلوب الدمرداشية بشكل مباشر، وهو جهد ثقافي مقدر في توثيق الشخصيات.
اما كتاب الدكتورة جيهان زكي – وزيرة الثقافة حاليا – بعنوان ثنائيات، تناول شخصيتين نسائيتين، هما كوكو شانيل وقوت القلوب الدمرداشية، من منظور تحليلي يسلط الضوء على التكوين والتخوين في الشخصيات النسائية، ويثري القارئ بزوايا جديدة من الكتابات حول الشخصيات النسائية.

من هذا المنطلق، الاطلاع على المعلومات المتوفرة عن الشخصيات—مثل تاريخ الميلاد أو الإنجازات—مع ذكر المصدر، لا يعد سرقة، بل هو توثيق وتحليل يخدم زاوية جديدة في التناول بحسب رؤى مثقفين فى قلب المشهد الثقافى .

فالاختلاف بين معايير الأعمال الثقافية والمعايير الأكاديمية واضح؛ الكتب الثقافية تسمح بالتلاقح الفكري والاختلاف في الرؤى دون أن يكون ذلك اعتداءً على حقوق المؤلفين.

هنا يطرح التساؤل : هل تقرير لجنة خبراء الملكية الفكرية – احد ابرز الاجراءات التى يتم الاستناد لها – الذي اعتبر النقل الحرفي والفقرات المطولة تجاوزًا للاقتباس المشروع، أخذ بعين الاعتبار طبيعة العمل الثقافي واختلافه عن البحوث الأكاديمية؟ أم كان تطبيق المعايير بشكل صارم نوعًا من التحامل على الدكتورة جيهان زكي؟

ويرى قطاع واسع من المثقفين ان القضية تفتح نقاشًا حول حرية الثقافة والتلاقح الفكري، وتحذر من ربط كل اختلاف فكري بالمسار القضائي بدل منابر المناظرات والندوات الثقافية لتبادل الآراء .. فالمثقف الحقيقي يثمن كل إضافة ثقافية سواء كانت معالجة جديدة لشخصية معروفة أو زاوية مبتكرة، بينما التحامل على الاختلاف قد يقيّد الحريات ويعيق الإبداع.

فهل هذا يعد انتصار للملكية الفكرية أم تطبيق صارم لمعايير تقنية ، يعكس فهماً ضيقاً للحياة الثقافية ولمجال الثقافة والأدب؟

وفى سياق مواز ،يرى قسم اخر ان القضية تفتح جدلا مهمًا حول حرية الثقافة وتلاقح الفكر، وتسلط الضوء على التوتر بين حماية الملكية الفكرية وحرية التعبير الإبداعي .. من خلال مقارنة الكتابين، يظهر أن العمل الثقافي يمكن أن يطرح زوايا جديدة ومختلفة حول الشخصيات، حتى لو تداخلت او تشابهت المعلومات الأساسية مثل تاريخ الميلاد أو الإنجازات ، ما يثري النقاش ولا يعد سرقة في جوهره، طالما تم ذكر المصادر ، كخلفية لزاوية ابداعية جديدة.
هنا يتجدد تساؤل ، هل المعايير التي اعتمدت في تقييم الاقتباسات أخذت بعين الاعتبار طبيعة العمل الثقافي واختلافه عن البحوث الأكاديمية، أم تم التركيز على جانب تقني بحت؟

ويبقى الدرس الأهم للقارئ والمثقفين ، كل إضافة ثقافية، سواء كانت معالجة جديدة لشخصية معروفة أو زاوية مبتكرة، تساهم في إثراء المشهد الثقافي .. ومن شأن النقد البناء أن يوجه الحوار بعيدًا عن الانقسامات والتحامل، مع الحفاظ على حقوق المؤلفين وحماية الإبداع الثقافي.

فالحوار الثقافي والتحليل النقدي يظلان الأدوات الأكثر فعالية فى الاوساط الثقافية لقياس جودة العمل الثقافي وفتح زواياه المتنوعة، وحماية معايير الابداع ،دون أن يتحول الخلاف الفكري إلى صدام في المحاكم الاقتصادية أو إلى ما يضع الإبداع تحت مقصلة منظومة الملكية الفكرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى