
لحظات الألم في صورها المختلفة واحدة، وأشد أنواع الألمِ الرحيلُ بلا وداع، يفقد الواحدُ منّا أحباء كثيرين في رحلة الحياة على فترات مختلفة، منهم من يرحل بعد إحساسنا بقرب وفاته بسبب مرضه، فنكون مهيئين نفسيًّا، وفي كل زيارة لمريضنا ندعو له بالشفاء، وعندما يشتد المرض عليه نشرعُ في الدُّعاء له بالرحمة لأنَّنا لا نحبُّ أن نشاهد من نحبُّ متألِّمًا، فجميعنا راحلون ولقاؤنا في جنّات النَّعيم عند أرحم الرّاحمين، أمّا الرَّحيل فجأةً أو من دون وداع فهذا الذي يسبِّب ألمًا لا يزول مع الأيّام، وتجاربي وآلامي كثيرةٌ مع من فقدتُهم بسبب المرض أو فجأةً، وقد سبقَ أن تواصلتُ معهم قبلها بساعات أو أيام، حتى إنني من هول الصدمة أتَّصل بمن أرسل لي الخبر للتأكد من حقيقتِه، فجميعنا يرفض الاعتراف بالحقيقة من قوة الصدمة.
قبل عدة أسابيع قابلت أخًا وصديقًا مر بتجربةِ فقدان أغلى شخصٍ على قلبِه (والدته) بعد معاناة مع المرض، وفي أثناء حديثِنا في أمور الحياة لمحتُ في عينيه سؤالًا يحاول إخفاءه فقررتُ تجنُّبَه منعًا لإحراجِه، بعدها بدقائق واجهَني بقولِه: مضى على وفاةِ والدتي شهرٌ حتّى الآن، وكنت أريد أن أسألك بحكم أن والدتك (يقصد العبد لله) توفِّيَت منذ سنوات، متى يخفُّ ألم الفراق في رأيك؟ أو بمعنًى آخر: متى أستطيع أن أقود سيّارتي دون أن أتخيَّل أنني في طريقي إليها للاطمئنان عليها؟
وعلى الرغم من مكانة صديقي الاجتماعية والعملية -فهو أخٌ لي ورفيقُ الدراسة منذ أربعين عامًا، وأعلم جيدًا قوتَه وصلابتَه في الحياة العمليّة- فقد سكتُّ للحظات لأفكر في إجابة مناسبة تخفف عنه الألم، وفي الوقتِ نفسِه لأبلغه بحقيقة الواقع الذي يعيشه، وكان هذا السؤال من أصعب الأسئلة التي سُئِلتُها وترددتُ في إجابتِها لأنني شعرت للحظات أنَّه ربَّما ظنَّني نسيتُ والدتي من عدمِ ذكري إيّاها أمامه منذُ زمن، أم أراد أن أعطيه وصفة لعلاجه من ألم فقدانِها الذي يشعر به يوميًّا؟
قلت له: نحن لا ننسى من فقدنا، لكن نصبِّر أنفسنا بلقاء آخر معهم، وهو عزاؤنا الدائم. من نفقده نعيش على ذكراه ويكون السلوى لقلوبنا بأغراضه عندما نشاهدها.
تذكرت جملة سمعتها منذ زمن: أن كل شي يبدأ صغيرا ثم يكبر إلا الموت؛ يبدأ كبيرا ويصغر مع الأيام! هنا أغمض صديقي عينيه ثم قال: الحمد لله على ما أصابنا، هنا شعرت أن الإجابة لم تكن شافية له بل كانت مسكِّنًا له لعلها تخفف عن ألم الفراق لفترة.
احضنوا من تحبون واشبعوا من رؤيتهم، فكم من شخص فقدناه وندمنا بعد ذلك بسبب عدم رؤيتنا له بسبب ظروف العمل أو انشغالنا بأمور حياتية يومية!
احضنوا فالأيّام تجري من أيدينا.




