أخبار المدن

(انتصارُ الصَّمتِ وانحدارُ الردِّ)

الكلمات التي نطلقها تجاه الآخرين ليست دائمًا دليلًا على القوة، فأحيانًا تكون تلك الكلمات التي نحتفظ بها في صمتنا هي أعظم انتصاراتنا.
أن تصمت لا يعني أنك استسلمت أو أن الكلمات قد نَفِدَت منك؛ الصمت لغة العظماء، وهو الرد الذي لا يحتاج إلى تفسير، هو الجدار الذي تتحطم عليه سهام الكلمات فتعود إلى راميها حين تصمت؛ أنت لا تهرب من المعركة، بل ترفض الدخول في حلبة لم تُخلَق لها أساسًا، أنت تحافظ على طاقتك كالمصباح الذي لا يضيء في وجه من أغلق عينيه.
أما الرد على الآخرين فهو ذلك الانحدار الذي تتخلى فيه عن حكمتك لتكون عبدًا لانفعالك، فتخسر شيئًا من كرامتك، وربما تتفوه بكلمات أنت أول من يندم عليها.
عندما ترد على كل إساءة فإنك تشبه ذلك الذي يحاول إيقاظ من يتظاهر بالنوم، ستُتعب نفسك دون جدوى؛ الرد المستفز يجذبك إلى مستنقع الطرف الآخر، حيث تصبح أنت الطرف الضعيف لأنك رضخت لاستفزازه.
نصمت لأن بعض النفوس لا تستحق أن تسمع صوتنا؛ نصمت لأن بعض الكلمات كالطائر إذا حبسته في قفص صدرك أمِنَ الهلاك، وإذا أطلقته خارجًا قد لا يعود؛ نصمت لأن الحياة معركة لا يجب أن نخوضها كلها، بل نختار ما يناسب أسلحتنا؛ نصمت أحيانًا لأن الصمت هو اللغة الوحيدة التي يفهمها المتعجرفون، فهو يتركهم في مواجهة أنفسهم، فيرى كل إنسان في المرآة ما لا يريد رؤيته.
في النهاية، ليست المسألة كمّ الكلمات التي نقولها، بل تأثير الكلمة التي نختار أن نقولها في الوقت المناسب؛ انتصارك بالصمت يجعلك كالجبل الشامخ، وانحدارك بالرد يجعلك كالورقة في مهب الريح.تائهة لا تدري أين مصيرها.
فكن حكيمًا، واجعل صمتك درعًا يصدّ الحماقات، واجعل كلمتك كالسيف، لا تُخرجها من غمدها إلا حين تضمن أن تضرب بها في الصميم لأن الانتصار الحقيقي هو أن تنتصر على نفسك أولًا، وأن تحتفظ بكرامتك ولو كان الثمن أن تظلَّ صامتًا.

الكاتب الروائي كامل مراد الرياض 10 اكتوبر 2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى