جريمة يستحي منها الشيطان …. !

في قرية “دلجا” التابعة لمركز دير مواس بمحافظة المنيا، تجمدت الدموع في المآقي وجفّت الكلمات على الألسن، أمام هول فاجعة لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلاً. لم تكن مجرد قصة مأساوية، بل كانت فصلاً من فصول العذاب الذي كُتب بدم بارد، وانتهى بدفن أبٍ إلى جوار أطفاله الستة، لتُغلق صفحة حياة أسرة بأكملها، وتُفتح أبواب الجحيم على مُرتكبة جريمة اهتز لها عرش الإنسانية.
بدأت المأساة كسحابة صيف عابرة، سرعان ما تحولت إلى عاصفة هوجاء اقتلعت كل شيء. طفل تلو الآخر، من نفس الأسرة، يسقطون بنفس الأعراض الغامضة والمفزعة: قيء حاد، حمى، تشنجات عنيفة، وغياب تدريجي عن الوعي. كان الموت يطرق باب منزل ناصر محمد علي، الأب المكلوم، كل بضعة أيام، ليخطف زهرة من بستانه الصغير، تاركاً وراءه لوعة وحيرة وألماً لا يطاق.
تابع أهالي القرية، ومصر كلها، بقلق بالغ أخبار أطفال المنيا. كل صباح كان يحمل نذير شؤم، وينتهي بخبر وفاة طفل جديد. تساقطوا كأوراق الخريف واحداً تلو الآخر، في سلسلة من الموت المتتابع الذي حيّر الأطباء وأفزع القلوب. كانت القرية تنتظر في صمت مهيب، تعدّ الأنفاس وتترقب، على أمل أن يتوقف هذا السيلان المروع للدم البريء. لكن القدر كان يخبئ الفصل الأكثر إيلاماً. فبعد أن وارى الأب الثرى فلذات كبده الستة، لحق بهم هو الآخر، بنفس الأعراض، وبنفس النهاية المأساوية. صعدت روحه إلى بارئها، وكأنه لم يقو على فراق ملائكته، لتكتمل فصول الفاجعة التي سيظل صداها يتردد طويلاً في أرجاء الصعيد.
لم يدم الغموض طويلاً، فمع تحقيقات النيابة العامة وتقارير الطب الشرعي، تكشّفت خيوط جريمة نكراء، يستحي الشيطان من التفكير في حبكتها، وتخجل أفعال يأجوج ومأجوج من بشاعتها. لم تكن وراء هذه الإبادة الجماعية لعنة أو وباء، بل كائن بشري تجرد من كل معاني الرحمة، زوجة أب تحول قلبها إلى حجر صوان، وتفكيرها إلى مستنقع من الشر.
الدافع، كما أشارت التحقيقات الأولية، كان أبشع من الجريمة ذاتها. الخوف من عودة الزوجة الأولى، أم الأطفال، إلى عصمة زوجها، كان هو الشرارة التي أشعلت نار الحقد في قلبها، فقررت أن تحرق الأخضر واليابس. لقد رأت في هؤلاء الأطفال الأبرياء عقبة في طريقها، فقررت إزالتهم من الوجود، بسم بطيء غادر، وضعته في طعامهم، لتشاهدهم يذبلون ويموتون أمام عينيها ببطء، مستمتعة، على ما يبدو، بمشهد عذابهم الذي خططت له بدقة شيطانية.
هذه ليست زوجة أب، بل هي وحش في صورة إنسان، مسخٌ عفن التفكير، قبيح السيرة والسريرة، تجسدت فيه كل الشرور. لقد قدمت لنا مشهداً لن يُمحى من ذاكرة أمة بأكملها، حادثة ستظل وصمة عار في جبين الإنسانية.
لقد صمتت أصوات ضحكات الأطفال في منزل ناصر إلى الأبد، وتحولت حياتهم إلى ذكرى مؤلمة. أما هي، فمهما كانت العقوبة، لن تكون كافية. فالموت شنقاً يبدو رحمة لا تستحقها. لعل العقاب الأوفى هو أن تتذوق من نفس الكأس الذي أذاقته لهؤلاء الأبرياء، أن تعدّ أيامها في انتظار مصيرها المحتوم




