جلال العشري.. حين يكون الصديق ممثلاً من طراز لا يتكرر

لا أكتب اليوم عن فنان فقط، بل عن صديق عرفت فيه معنى الصدق والإخلاص حين أصبح الفن اختيارًا لا وظيفة، ورسالة لا وسيلة.
عرفت جلال العشري ممثلاً بارعًا قبل أن أعرفه صديقًا، وكان الانطباع الأول عنه يكفي ليؤكد أنني أمام حالة مختلفة: موهبة نادرة، مثقف بصمت، ووجه لا يشبه غيره، وكأن ملامحه خرجت من رحم المسرح الشعبي لتعيش عليه. ليس غريبًا إذًا أن ينجذب إليه كبار المخرجين والمسرحيين، وأن تميّزه بصريًا قبل أن تسمعه.
لكن حين اقتربت منه أكثر، رأيت ما هو أعمق من الموهبة: رأيت رجلًا يحترق على مهل من أجل الفن، لا يتوقف عن الحلم حتى وهو يتعامل مع واقع خشن، ولا يتنازل عن التفاصيل الدقيقة مهما بدت صغيرة. كم مرة حدثني عن دور صغير في مسلسل، ومع ذلك كان يتحدث عنه كأنه دور العمر! لأنه ببساطة لا يرى في حجم الدور معيارًا، بل في صدقه وتأثيره.
جلال ليس ممثلًا يؤدي، بل يعيش كل شخصية، ويستحضرها من ذاكرته الغنية ببورسعيد وحواريها وصياديها وبائعيها وحكاياتها، من طفولة سمع فيها أصوات الرصاص تختلط بأغاني الوطنية، وتشبعت ذاكرته برائحة البحر وصوت عبد الناصر وهدير المدافع. كل هذه التفاصيل ليست فقط خلفية لحياته، بل أدواته السرية كممثل.
في المسرح، رأيته يبذل أكثر مما يطلبه الدور، وأحيانًا أكثر مما تحتمله البروفة. في فرقة السامر، لم يكن مديرًا بل قائدًا ميدانيًا، يبني المسرح حرفيًا، ويتابع أدق التفاصيل، ويؤمن أن الفن الجماهيري لا يقل عن فن النخبة، بل قد يتفوق عليه إن اقترب من الناس بصدق. وأشهد أن ما فعله في إعادة بناء مسرح السامر كان عملًا مناضلًا، لا موظفًا.
وحين كرمته الدولة مؤخرًا في المهرجان القومي للمسرح المصري، شعرت أن التكريم وصل متأخرًا، لكنه لم يكن ناقصًا. فحين يقف جلال على المسرح ويُذكر اسمه كأحد أبناء هذا الفن المخلصين، يشعر كل من يعرفه – كما شعرت أنا – أن شيئًا من العدالة تحقق.
جلال لا يُمكن أن يُوضع في خانة “الممثلين المظلومين” فقط، لأنه ببساطة لم ينتظر أن ينصفه أحد. كان يرى في كل عمل فرصة للحياة، ويعطي الدور عمرًا جديدًا، ولو لم يلمع اسمه كما يستحق، فهو لمع في قلوب كل من رآه على المسرح أو عرفه عن قرب.
ولأنه صديقي، أقولها من القلب: جلال العشري هو أحد هؤلاء الذين لا يطلبون شيئًا سوى أن يبقوا أوفياء لفنهم، لذلك يبقون فينا. في زمن يزداد فيه الصخب، يظل هو صوتًا هادئًا صادقًا لا يُنسى.
تحية لك يا جلال… لأنك لم تساوم، ولم تغيّرك الأضواء، وبقيت كما عرفتك: فنانًا من طينة الشرفاء، وصديقًا نادرًا… لا يُشبهه أحد.




