(لا تنتظروا حتى تشيب رؤوسكم)

مع تقدم العمر.. يبدأ الإنسان بفك شفرة الحياة بلغة مختلفة، فبعد أن كان يلهث وراء المناصب والمكاسب المادية، يكتشف فجأة أن اللحظات الحقيقية ليست تلك التي قضاها في المكاتب أو قاعات الاجتماعات، بل تلك التي ضحك فيها مع أطفاله، أو تلك التي احتضن فيها زوجته، أو جلس إلى والديه يستمع إلى حكايات الماضي.
كم من مرة رأينا رجلًا طوال حياته مشغولًا ببناء إمبراطوريته المادية، ثم إذا به في شيخوخته يدرك أن كنوزه الحقيقية كانت حوله طوال الوقت؟ لكن مشاغل الحياة أخذته من أجمل أيام العمر ليبدأ يومَهُ بعد بلوغه الشيخوخةَ بالاستيقاظ مع شروق الشمس منتظرًا زيارة أحفاده ليتلذذ بسماع خطواتهم الصغيرة قبل أن يسمع أصواتهم، ويصبح هاتفه النقال مجرد أداة يحدق فيها بلهفة منتظرًا مكالمة من أبنائه.
هذا الشبع العاطفي الذي ينشده ليس نزوة عابرة، بل هو محاولة يائسة لتعويض سنوات طويلة من الغياب، إنه يحاول أن يختزل حياة كاملة من الحب في سنوات معدودة يعلم في قرارة نفسه أنها لن تكفي.
العجوز الذي يجلس على كرسيه الهزاز يدرك ما لم يدركه في صباه: (أن الحياة رحلة قصيرة، وأن الذين نحبهم لن يبقوا معنا إلى الأبد، كما أننا لن نبقى معهم)، هذه المعرفة المؤلمة هي التي تمنحه تلك النظرة الحانية، وذلك التعلق الذي يبدو أحيانًا مملوءًا بالحزن.
إنه يعلم أن كل لحظة مع من يحب هي كنز ثمين (لأنها قد تكون الأخيرة!)، هذا الوعي المأساوي والمشرق في آن واحد هو ما يجعل حبه في الشيخوخة مختلفًا، أكثر نضجًا، أكثر عمقًا وشفافية.
لعل في هذه الحكمة درسًا لأولئك الذين ما يزالون في مرحلةِ الشباب: (لا تنتظروا حتى تشيب رؤوسُكم لتدركوا قيمة من حولكم، أحِبّوا اليوم كما لو كان الغدُ غير مضمون، اقتربوا من أهليكم وأصدقائكم وأبنائكم وهم ما يزالون بينكم).
لا تنظروا إلى العلاقات على أنها أمر مسلم به، فالحياة تتغير ودورانها لا يرحم؛ قد يأتي يوم وتصبحون أنتم ذلك الجد أو الجدة المنتظرِين زيارةَ الأحباب، المُشتاقين إلى سماع صوت الأبناء، لذلك فعبارة “لا تنتظروا حتى تشيب رؤسكم” ليست دعوة للتشاؤم، بل هي تذكرة بالحقيقة الأكثر جمالًا في الوجود: (أنَّ الحبَّ هو ما يبقى بعد رحيلنا، وهو البصمة التي نتركها في قلوب من حولنا).
فلنحبَّ بعمق، ولنعبرْ عن مشاعرنا بصدق، ولنغمرْ من حولنا بالعاطفة والحنان، فلنصنع ذكريات جميلة نعتز بها عندما تكبر أعمارنا، ونقدمها هدية لمن يأتون بعدنا، ففي النهاية، لن يذكرك أحد بما جمعت من مال أو ما بنيت من قصور، بل سيذكرونك بالحب الذي منحته، واللحظات التي شاركتها، والقلوب التي أضأت طريقها.




