مصر وإسرائيل: الغاز والتهديدات وحدود الحرب المحتملة

في الأسابيع الأخيرة دخلت العلاقات المصرية – الإسرائيلية واحدة من أكثر مراحلها توتراً منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979. فبينما تشتعل حرب غزة وتتعثر مساعي الهدنة، أطلقت القاهرة مواقف واضحة ضد أي محاولة لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء، معتبرة الأمر “خطاً أحمر يمس السيادة والأمن القومي”.
في المقابل، ردّت تل أبيب بخطاب أكثر تشدداً، وصل إلى التلويح باستخدام ملف الغاز الطبيعي كورقة ضغط استراتيجية.
الغاز كورقة مساومة
قبل أسابيع فقط، وُقّع اتفاق تاريخي بين القاهرة وتل أبيب لتوريد نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي حتى عام 2040، بقيمة 35 مليار دولار، ما كان سيعزز موقع مصر كمركز إقليمي لإسالة الغاز وإعادة تصديره للأسواق الأوروبية. لكن فجأة، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفضه تمرير الصفقة دون شروط سياسية وأمنية، أبرزها مراجعة التعزيزات العسكرية المصرية في سيناء.
بهذا التحول، لم يعد الغاز مجرد تجارة طاقة، بل أصبح “كارت ضغط” يربط السلام الاقتصادي بالاعتبارات الأمنية والسياسية.
الرد المصري: سياسة الصمود
القاهرة لم تُبدِ تردداً. رئيس جهاز الإعلام المصري، ضياء رشوان، وصف نتنياهو بـ”المهووس”، متحدياً إياه أن يُلغي الصفقة “إن كان يملك الجرأة”، ومؤكداً أن الخسارة ستقع على إسرائيل أكثر من مصر. الرسالة المصرية كانت واضحة: الطاقة لا يمكن أن تكون ورقة ابتزاز سياسي، ومصالح الدولة وسيادتها غير قابلة للمساومة.
التهديد بالحرب: بين الردع والدبلوماسية
في خط موازٍ، شددت القيادة المصرية على أن القاهرة لا تبحث عن حرب، لكنها “جاهزة لها إذا فُرضت”. هذا الموقف الردعي يُرسل إشارتين:
1. منع أي تفكير في تهجير جماعي للفلسطينيين إلى سيناء.
2. تأكيد أن تعزيز الوجود العسكري المصري في الحدود ليس تصعيداً ضد إسرائيل، بل حماية للحدود ومنع تدفقات غير مضبوطة.
التلويح بالحرب هنا ليس رغبة في المواجهة، بل تكتيك سياسي لضمان ردع أي مغامرة إسرائيلية تتجاوز الخطوط المصرية.
اقتصاد متأثر وأمن على المحك
رغم صلابة الخطاب، القاهرة تدرك أن التصعيد له ثمن. توقف إمدادات الغاز – ولو مؤقتاً – يضغط على الصناعات المحلية (الأسمدة، الكهرباء) ويزيد أعباء الاقتصاد. كما أن اضطراب قناة السويس والسياحة بفعل التوترات الإقليمية يفاقم الأزمة. لكن مصر توازن بين الكلفة الاقتصادية وبين ثبات موقفها السياسي، معتبرة أن التراجع أمام التهجير أو الابتزاز قد يحمل خسائر استراتيجية أكبر بكثير.
شبح الحرب
العلاقة بين مصر وإسرائيل تقف اليوم عند مفترق حساس:
إما أن تُترجم الوساطة المصرية إلى وقف نار دائم يفتح الباب لإعادة الإعمار وتخفيف الضغط.
أو يستمر الشد والجذب، حيث يتحول الغاز إلى أداة ضغط، وتبقى الحرب “شبحاً” حاضرًا على الحدود.
الواقع أن القاهرة اختارت أن تثبّت معادلة جديدة: السيادة أولاً، ثم المصالح الاقتصادية. هذه المعادلة قد تُعيد تعريف شكل “السلام البارد” بين مصر وإسرائيل لعقود مقبلة.




