ملعونه الحياة

في يوم وأنا مدير الشئون المعنوية في القوات المُسلحة كلموني قالولي في سيدة عاوزه تقابلني، قابلتها وكان ليها طلب غريب شوية، واكتشفت إن وراها قصة عجيبة مش قادر أنساها أو استوعبها لحد دلوقتي، ولأنها كانت مُقتدرة ماديا فكانت عاوزه تساعد أُسر الشهداء من الجنود فقط.
. . الست دي كانت ثرية جدا، ورثت ثروة ضخمة من زوجها وكانت ساكنه في قصر كبير علي شارع صلاح سالم في مصر الجديده،
. . في الأول حضرت حفل احتفال العاشر من رمضان ودخلت في علاقة مع أسر شهداء الجنود، وبقت تحب تتكفل بالآلاف منهم وكانت تُنفق إنفاق شديد مشفتوش في حياتي وكانوا مسمينها “أم الشهداء”، وفضِلت على الحال ده 6 سنين.
.. كان عندها 3 أبناء، ولدين 2 دكاترة في دبي وأمريكا، وبنت عايشه في الاسكندريه، لكن التلاتة مبيسألوش عليها خالص، ولا بيشوفوها!
.. دارت الأيام وأنا تركت الشئون المعنويه واتعيّنت محافظ الأقصر، وانقطعت صلتي بها،
وفي يوم لقيتها بتتصل بيا، كان فات حوالي 10 سنين، عِرفتها علي طول، وسألتها عن أحوالها، قالتلي: “أنا عايشه في دار مسنين” .. اتصدمت!
سألتها: إزاي؟ اومال فين قصرك والفيلل وعقاراتك ؟
قالتلي إن أولادها هجروها تماما، متعرفش عنهم حاجه ومحدش بيسأل عليها .. فدخلت دار المسنين!
. . اتضح إنها انعزلت عن الدنيا تماما، حزنت وخدت أرقام أولادها وقعدت أكلمهم واحد واحد، لكن كلهم رفضوا يسألوا عليها ، كان عندهم قسوه غريبه لدرجة إني كل ما أكلم واحد فيهم يقولي حاضر هأسأل عليها .. وميتصلش!
.. أنا كنت بتواصل يوميا مع الدار وأروح من وقت للتاني أسأل واطمن عليها، وكنت آخد لها احيانا أولاد أسر الشهداء نزورها،
وكانت بتبقي فرحانه جدا إن في ناس بيسألوا عليها!
وفي يوم كلموني من الدار وقالولي: ” البقيه في حياتك ..الست ماتت وهندفنها في مقابر الصدقة”
جريت علي ولادها بلغتهم بوفاة أمهم ، ابنها اللي في دبي لقيته بيقولي: “قول للدار بلاش يدفنوها في مقابر الصدقه .. عندنا مقبره في ترب الغفير”،
قلتله: “إنت مش هتيجي تدفن أمك”؟
قاللي: “صعب .. مش هقدر علشان عندي شغل”!
واتصلت بإبنها التاني قاللي نفس الكلام ، وكلمت بنتها اللي عايشه في اسكندريه قالتلي: ” بنتي عندها مباراة مهمة فمش هينفع، والحي أبقي م الميت”؟
.. فورا رحت دار المُسنين علشان أنا اللي أدفنها وآخد عزاها وأكرمها زي ما كانت كريمة مع أولاد الشهداء.
دفنتها وكانت المفاحأه : ومشيت في جنازتها وحيدا!
.. قصة الست دي أنا وقفت عندها كتير، موقف اولادها خلاّني أشوف انعدام القيم في الحياة، أولادها اللي ادتهم عمرها والملايين والثروه ثم تموت لوحدها .. وتندفن لوحدها!
أنا كنت ساعتها محافظ الأقصر، وده ملوش غير معني واحد وهو إن ربنا سخرّني كـ وزير ومسئول في الحكومه انها تندفن مكرومه في مقابر اسرتها، مش في مقابر الصدقه،
ربنا أراد انها تموت عزيزه ومتتبهدلش، ودي كرامة علي إنها سيدة صالحة ، لأنها كانت ست معطاءه ومُتصدقه، فكان يستحيل علي الله أن لا يُكرمها في موتها!
.. وأنا بدفنها بكيت وكلمت ربنا وقولتله “هيا رايحه عندك .. وانت الكريم الذي لا يُضام أحد عنده” !
من حين لآخر بزور قبر هذه السيده العظيمة، بسلّم عليها وادعيلها، وبقرأ لها الفاتحة كل ما أعدي علي مقبرتها في صلاح سالم .. عاشت حزينة وماتت كريمة!
.. اللواء سمير فرج لـ برنامج
(كلم ربنا .. مع أحمد الخطيب)
على الراديو 9090




