(من لا يشكُر النّاس لا يشكُر الله)

في رحلة الحياة.. نمر بأحداثٍ كثيرةٍ، بعضها مفرحٌ يملأ القلب بهجةً، وبعضها مؤلمٌ يترك في النّفس جراحًا؛ كم من مرّة فقدنا فيها أحبّاء أو أشياء كنا نعتقد أنها أساسية في سعادتنا! في تلك اللحظات الصعبة نظن أن العالم قد توقف وأنَّ الألم سيرافقنا ولا سبيل للخروج من هذا النّفق المظلم.
لكن مع الأيام.. نكتشف أن لكلّ شيءٍ حكمة، وأن الليل مهما طال فلا بدّ من فجر قادم، وندرك أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا؛ كلّ شيء مقدر ومكتوب في علم الله، وكلّ فقدان يحمل في طياته درسًا أو توبةً أو رحمةً لا نراها في لحظة الألم.
ومن أجمل ما نكتشفه في رحلتنا مع الألم هو “العوض الإلهي”؛ نعم، فالله -سبحانه وتعالى- لا يأخذ منّا شيئًا إلا ليعوِّضنا خيرًا منه؛ وليس بالضرورة أن يكون من جنسِ ما فقدناه، فقد يكون أجمل وأبهى لأنه صادرٌ من العليم الخبير الذي يعلم ما لا نعلم.
قبل أيام.. وفي مستشفى الولادة كنتُ أنتظر قدوم حفيدتي الغالية، كانت ابنتي الوحيدة على موعد مع لحظة مهمة في حياتها، وكنتُ قلقًا عليها لأنها تحمل في قلبها جرحًا ، وهو فقدان أمها وهي على أعتاب زواجِها؛ كنت أخشى أن تشعر بالوحدة والحزن في لحظة تحتاج فيها إلى دفء الأم.
لكن المفاجأة الجميلة كانت في انتظارِنا، فَما إن وصلنا إلى المشفى حتى بدأت صديقاتها وأمهاتهن بالتوافد! لم يأتينَ بصفةِ الزّائراتِ العاديّات، بل جِئنَ عائلةً واحدةً كأخوات تربطهنَّ روابط لا تقل قوة عن روابط الدم! وقفن عندَ باب غرفة الولادة، تارة يرفعن أيديهن بالدّعاء، وتارة يتلون آيات من القرآن، وتارة يقدِّمنَ الدّعم المعنوي والعملي؛ لقد حوَّلن ممرات المشفى الباردة إلى واحة دافئةٍ ملأى بالحب والإيمان!
في تلك اللحظات.. أدركت أنني أشهد تجسيدًا حيًّا للعوض الإلهي، فابنتي التي فقدت حنان الأم عوَّضها الله حنانًا جماعيًّا وأخواتٍ في اللهِ يُحبِبنَها بصدق، فمَن أوحشَتها الحياة أحاطها الله بقلوب تحبها حُبَّ الأمهات.
من هذه التجربة تعلمت دروسًا لن أنساها: تعلمت أن الوحدة الحقيقية ليست في قلةِ أو كثرت من نعرف ، بل في صدقِ النوايا في هذه العلاقات؛ و تعلمت أن الألم ليس نهاية المطاف، بل هو محطة نتزود فيها بالصبر والإيمان لنصلَ إلى محطة أجمل، وأن الحبَّ أفعالٌ لا أقوال تظهر في الشَّدائد لا في الرخاء.
لذا فإنني أقول لكلّ قلب يحمل جرحًا، ولكل نفس تعبت من حمل الهموم: (لا تيئَسوا؛ انتظروا العوض الجميل من الله؛ إنه قادم ربَّما في صورة أصدقاء مخلصين، أو طمأنينة في القلب، أو فرح لم تتوقعوه، أو قوة لم تكن تعلمون أنكم تملكونها).
فلا تحزنوا على ما فات، ولا تخافوا ممّا هو آتٍ، فالله الذي أعطى وهو الذي أخذ، وهو الذي سيعطي مرة أخرى، ولكن بصورٍ أجمل وأكمل، فما أجمل أن نثق في حكمة الله، وننتظر عطاءه الذي لا ينضب!




