الدكتور حسن طبيب البعثه يكتب ما دار في الكواليس بكأس العالم

حضرت كطبيب للبعثة المصرية ست دورات أوليمبية متتالية، رأيت فيها لحظات درامية متعددة، سجلت بعضها لكني لم أر فيلما دراميا واقعيا مكتمل الأركان عن بطولة رياضية مثلما حدث في كأس العالم الأخيرة.
شخصيات الفيلم درامية للغاية رغم أنها حقيقية، مدرب معروف بعصبيته ومشاكله، يتم استدعاؤه ليدير منتخب مصر فيثير جدلا كبيرا، ويظهر أعداء متعددين من جيله يقسمون أنه لن ينجح في المهمة، ونجم كبير يعاني مع انتهاء مشواره مع النادي الكبير وعداء من مدربه الأوروبي وبداخله خليط من الإحباط والرغبة في إثبات الذات، ولاعب خارج من مشكلة قانونية وقتل خطأ وسجن وخلافه، ولاعب كان يعمل بائعا للأحذية وطموحاته محدودة تأتيه مكالمة انضمام للمنتخب وهو على شاطيء البحر، ومحترف عائد من إصابة كبيرة يفتقد الثقة في قدرته على العودة لمستواه السابق، وحارس مرمي عاش عمره بأكمله يعاني من اتهامه أنه غير كفؤ فقط لأن أباه نجم كبير في الوسط الرياضي، وشاب مصري فرنسي تونسي لا يتكلم لغة الفريق وجد نفسه في حيرة بين جنسياته الثلاث، وشاب صغير في بدايات طريقه فوجئ باستدعائه ليثير ذلك غضب وحقد الكثيرين، ولاعبان انتقلا من نادي كبير إلى المنافس فأثاروا غضب نصف الجمهور! ليدخل الجميع في صراعات نفسية متتالية.
تتوالى الخلافات الداخلية بين النجم الكبير والمدرب قوي الشخصية، ثم مع اللاعبين المستبعدين والمنضمين، ينجح في لم شمل الفريق ويتأهل بهم لكأس العالم فيراهن الجميع على خسارتهم، لكنه هو تحديدا كان يحلم بالفوز بكأس العالم فيسخر منه الجميع.
تتعقد الأمور عندما يقوم المدرب بتلقائية بالحديث عن فلسطين ويرفع العلم فيحمل الفيلم الرياضي فجأة طابعا سياسيا يحمل أحلام البسطاء والمهمشين في مواجهة القوى الكبرى في العالم، مكاتب المراهنات والصراع السياسي والقيم التسويقية للمباريات، ثم تأتي المواجهة الكبرى بين الدولة الصغيرة رياضيا الكبيرة تاريخيا في مواجهة الدولة التي يقودها النجم المدلل للعالم ولكل الشركات العاملة في المجال. ويأتي تحديد موعد المباراة أيضا دراميا للغاية. الساعة السابعة يوم ٧/٧.
تبدأ المباراة والجميع متأكد من فوز الدولة الأقوى، لكن المدرب الجريء بكتيبته يحرزون هدفا ثم الثاني، تستعرض الكاميرا انهيار رئيس الاتحاد الدولي، ويبدأ الحكم في اتخاذ موقف معادي متعمد أو غير متعمد ومحاولا تغيير النتيجة بأي شكل، تقترب المباراة من النهاية، تبدو النهاية السعيدة قادمة، لكن في عشر دقائق تتوالي أهداف الفريق الآخر ويأتي آخرها مع نهاية المباراة. ينقلب العالم كله في سؤال عن العدل والحق والقوة، وهل فاز الفريق الكبير بقوته أم بدعم المؤسسات، يظهر علمان لدولتين لم تشاركا في المباراة أحدهما قوية ظالمة والأخرى صاحبة حق مسلوب، في مشهد رمزي مدهش، وصوت المدرب وهو يبكي قائلا: كنا قريبين قوي .. ما باحبش أخسر! ودموع النجم الكبير في ذهول، والشاب الفرنسي التونسي المصري وهو مندهش من احتفاء المصريين به وهم يحدثونه بلغة لا يعرفها.
يختلط الضحك بالبكاء وأنت ترى العالم كله يتحدث عن الظلم في المباراة، يختلفون في التفاصيل لكنهم يجمعون على بطولتهم. صلاح وهو يحتفل في مصر كما لم يحتفل من قبل، وشوبير الصغير يعانق أباه وهو يقول له ألم أقل لك أنني سأجعلك فخورا بي، وزيكو يعود إلى الساحل الشمالي والبحر بسيطا كما هو، وحسام حسن يرسل رسالة خاصة إلى فتاة صغيرة فلسطينية.
مشهد النهاية مذهل، في الخلفية أغنية وطنية “يا مصر بتعمليها إزاي ” كما لو كان يتساءل كيف تفوزين حتى وانت خاسرة. وبضعة شباب في غزة يجرون بملابس رثة ممزقة وهم يهتفون باسم المدرب، ثم ينزل بوستر طويل ضخم عليه صورة المدرب الذي تطابق ملامحه كل العرب، يحمل علمين .. علم مصر وفلسطين… مشدودا على مبني فجره قصف غاشم منذ أشهر قليلة، كما لو كان يؤكد أن المعركة مستمرة .. وصوت النجم المصري الأشهر وهو يقول: ربما نكون قد خسرنا اليوم .. لكن أعدكم أن هذه ستكون بداية جديدة. لينتهي الفيلم دون آن تكتب كلمة النهاية.







