
في كل مرة أتأمل فيها شوارع بورسعيد القديمة ومبانيها التاريخية المطلة على البحر، يراودني سؤال واحد: لماذا لا تصبح بورسعيد واحدة من أهم المدن الثقافية والسياحية في منطقة البحر المتوسط؟
هذا السؤال لم يعد مجرد حلم أو فكرة رومانسية، بل أصبح رؤية قابلة للتنفيذ، خاصة مع الجهود التي تبذلها جمعية بورسعيد التاريخية من خلال مؤتمرها السنوي الذي يفتح الباب أمام مناقشة مستقبل المدينة وكيفية استثمار تاريخها الفريد في صناعة مستقبل أكثر إشراقا.
العالم اليوم لم يعد ينظر إلى المدن باعتبارها مجرد تجمعات سكانية أو مراكز اقتصادية، بل باعتبارها كيانات حضارية تمتلك هوية ثقافية قادرة على جذب الاستثمار والسياحة والعقول المبدعة. ولهذا نجحت مدينة بلباو الإسبانية في إعادة صياغة نفسها من مدينة صناعية وميناء تقليدي إلى واحدة من أبرز نماذج التنمية الحضرية القائمة على الثقافة والهوية.
لم يكن تحول بلباو صدفة، بل نتيجة رؤية اعتمدت على تحويل التراث والواجهة البحرية والثقافة إلى محركات للتنمية الاقتصادية والسياحية، وهو ما جعلها نموذجا عالميا في إعادة إحياء المدن.
وبورسعيد، من جانبها، تمتلك مقومات لا تقل قوة. فهي مدينة نشأت مع مشروع عالمي هو قناة السويس، وتتميز بموقع استراتيجي فريد على البحر المتوسط، إلى جانب تراث معماري مهم وذاكرة وطنية مرتبطة بالصمود والانفتاح والتنوع.
ومن هنا تأتي أهمية إطلاق مشروع متكامل تحت عنوان “بورسعيد مدينة الثقافة المستدامة”، يقوم على إعادة إحياء المباني التراثية وتحويلها إلى مراكز ثقافية وسياحية، وإنشاء مسارات تربط بين المعالم التاريخية، إلى جانب تنظيم فعاليات ومهرجانات دولية تعزز مكانة المدينة.
كما أن دعم الصناعات الإبداعية والحرف التراثية والأنشطة الثقافية يمكن أن يحول الثقافة إلى مصدر دخل حقيقي وفرص عمل، وليس مجرد نشاط رمزي.
إن مستقبل المدن لا يقاس فقط بالبنية التحتية، بل بقدرتها على الحفاظ على هويتها وصناعة نموذج تنموي متكامل. وبورسعيد تمتلك كل ما يؤهلها لتكون “بلباو المتوسط المصري” إذا توفرت الرؤية والإرادة.
ربما يكون الحلم كبيرا، لكنه ليس مستحيلا، وبورسعيد التي صنعت تاريخا استثنائيا قادرة على صناعة مستقبل استثنائي أيضا.




