أخبار المدن

(بَينَ رَفعِ الكأسِ وَرَفعِ الرَّأسِ)

الأردن- بقلم الكاتب والروائي كامل جميل مراد

في كلّ بطولةٍ كبرى تظل الصور الخالدة في الأذهان لا تلك التي تلتقط لحظة رفع الكأس فحسب، بل تلك التي تجسّد معاني أعمق: معاني الكرامة، والإصرار، والوحدة. وكثيرًا ما تكون العبرة في الطريق لا في النهاية، وهو ما يتجلّى بوضوح حين نقارن بين من يرفع الكأس وهو يعلم داخليًّا أنه لا يستحقها، وبين من يغادر البطولة ورأسه مرفوعٌ مدركًا بحق أنه كان الأجدر بمواصلة المشوار.
نحن هنا نتحدث عن سيناريو تاريخي عاشته كرة القدم قبل أكثر من أربعة عقود، وتكرر بصورةٍ مذهلةٍ مع منتخبنا العربي المصري، ففي كأس العالم عام 1982م قدّمت الجزائر واحدة من أجمل مفاجآت البطولة بفوزها التاريخي على ألمانيا الغربية، وكانت الأحق بلا منازع بالتأهل إلى الدور التالي، لكنَّ التدخلات الخفية وتحالفات المصالح على أرض الملعب -وتحديدًا تلك المباراة المشؤومة بين ألمانيا والنمسا التي انتهت بهدف وحيد كان كافيًّا لإقصاء منتخب الجزائر- جعلَت التأهل للكأس يبتعد عن مستحقيه، وكتبت صفحة سوداء في تاريخ النزاهة الكروية.
وبعد كلّ هذه العقود، وبينما كانت الجماهير العربية تتابع بشغف منتخب مصر في بطولته الأخيرة، عاد المشهد نفسه ليتردد، لكن هذه المرة بأبطالٍ عرب قدّموا درسًا لا يُنسى في الاجتهاد والإخلاص.
لقد أبدع الفراعنة في اللعب، وقدموا مستويات رائعة أشادت بها وسائل الإعلام العالمية، ونالوا احترامًا واسعًا من الخصوم والحكام والجماهير على حد سواء، لكن الأجمل من كل ذلك أنهم استطاعوا توحيد الشعوب العربية جميعًا، فكانت فرحة المغربي والفلسطيني والسعودي والأردني بمصر واحدة، وكأن الكرة رسمت خريطة وطن عربي واحد.
وهذا المكسب الحقيقي الذي لا يُحصى بذهب ولا يوزن بكأس هو ما منحه المنتخب المصري للعرب، بل أجزم أن هؤلاء اللاعبين رفعوا الرأس والكأس معًا، ليس كأس البطولة التي قد تخونهم النتائج فيها، بل كأس المحبة العربية التي توجوا بها، وكتبوا بها أسماءهم في سجلات التاريخ الرياضي التي ستذكرها الأجيال القادمة بكل فخر واعتزاز.
لكن ما الذي جعل هذا الإنجاز الاستثنائي يتحقق رغم الخروج المبكر المنتخب؟ إنه السر الكامن في الاجتهاد المتصل والإخلاص في اللعب، فقد كان واضحًا للجميع أن هؤلاء اللاعبين ليسوا مجرد نجوم يتألقون لساعة، بل هم مواطنون مصريون خالصون، من أول لاعب إلى آخر فرد في الجهاز الفني والإداري، وكلهم يحملون همّ وطنهم وكرامة شعبهم، وهذا ما جعل أداءهم مختلفًا، لأنهم لم يلعبوا لمجرد الشهرة أو المال، بل لعبوا من أجل رسالة، ودفعهم إلى ذلك إحساسهم العميق بأنهم يمثلون أكثر من مجرد فريق، إنهم يمثلون أملًا عربيًّا يتجدد.
وما زاد الأمر تألقًا وعمقًا هو تلك العلاقة الجميلة التي ربطت اللاعبين بالشارع المصري والعربي، ففي كل مباراة كانوا يحققون فيها الفوز كانوا يتوقفون ليشاهدوا ردود فعل المواطنين في الشوارع، ويتابعون التعليقات الداعمة على وسائل التواصل الاجتماعي، وكأن كل هدف يسجله اللاعب هو ردٌّ على حب جماهيري لا حدود له؛ ولكن هذا الحب الهائل، وهذا الحمل الشعبي الكبير كان له وقع خاص على اللاعبين، فكلما تقدموا في البطولة زادت المسؤولية على عاتقهم، وزاد الإحساس بأنهم يحملون أماني ملايين البشر، ومع ذلك واصلوا بإصرار حتى اصطدموا في النهاية بواقع التحكيم العادل تارة، وغير العادل تارة أخرى، والذي حكم بخروجهم رغم أنهم قدموا كل ما لديهم.
نعم، قد خسروا البطولة من حيث النتيجة، لكنهم نجحوا في إيصال عدة رسائل قوية، فالرسالة الأولى كانت تجسيدًا لوحدة عربية نادرة رأيناها بعيوننا حين احتضنت الجماهير العربية هذا المنتخب المصري كأنه منتخبها الأول، والرسالة الثانية تتمثل في عظمة المدرب الوطني حين أثبت أن الكفاءة ليست حكرًا على الأجانب، وأن العقلية المصرية الخالصة قادرة على صنع المعجزات إذا ما توفر لها الدعم والإخلاص، والرسالة الثالثة -وهي الأهم- أن الإخلاص في اللعب والمثابرة والاجتهاد الدؤوب يؤدي حتمًا إلى النصر، ليس على الملاعب فقط، بل في قلوب الملايين التي ظلت تهتف باسمهم حتى بعد خروجهم.
فليبارك الله هذا المنتخب الذي رفع رؤوسنا عاليًا، وليعلم الجميع أن رفع الرأس في كرة القدم -وكما في الحياة- دليل على كرامة وعزة لا تُقهران، وهو أفضل بكثير من رفع كأس يحمله من لا يستحقه. هنيئًا لنا نحن العربَ بهؤلاء الأبطال الذين علمونا أن القيمة ليست فيما تحصل عليه، بل فيما تتركه في قلوب الآخرين، وأن الاجتهاد في اللعب ليس مجرد مهارة، بل هو أخلاق تُصنع منها الأمجاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى