أخبار

حين يعجز الشكر يتحدث الشعر ….. محمد سعد عبدالواحد يهدي قصيدة وفاء إلى الأستاذ الدكتور سلامة داود في ختام مسيرته رئيسًا لجامعة الأزهر

ليس من المعتاد أن تتحول لحظات الوداع إلى عملٍ أدبي، غير أن بعض القامات العلمية تستدعي من الكلمة ما يليق بها، ومن الشعر ما يخلد أثرها. وفي هذا السياق، يكتب الطالب الأزهري محمد سعد عبدالواحد قصيدةً جديدة يهديها إلى الأستاذ الدكتور سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر، تزامنًا مع انتهاء فترة رئاسته، في لفتة وفاء وتقدير لعالمٍ عُرف بإسهاماته في علوم العربية والبلاغة، وبمسيرة امتدت في خدمة الأزهر الشريف علمًا وإدارةً.

ولم يتناول الشاعر في قصيدته المنصب أو المناسبة فحسب، بل اتخذ من شخصية الدكتور سلامة داود موضوعًا شعريًا، فرسم ملامح العالم الوقور، وصاغ صورًا بيانية تستحضر هيبة العلم وجلال اللغة، في محاولة أدبية تستلهم روح القصيدة العربية الكلاسيكية، وتؤكد أن الكلمة الصادقة تبقى من أصدق صور الوفاء.
وفيما يلي نص القصيده
تَهَادَى المساءُ على النيلِ مُنْسَدِلًا *** وفي الماءِ وَشْيُ السَّحَابِ يُذَوَّبُ
وألقى على الشُّرفاتِ ضَوءَ مصابحٍ *** كأنَّ عيونَ البحرِ فيها تُرَقِّبُ
وأقبلتُ أمشي والرِّياحُ كأنَّها *** خيولُ صَباوَى في الشوارعِ تَلْعَبُ
تُفَرِّقُ أوراقَ الجرائدِ مثلما *** تُفَرِّقُ سربَ الطيرِ كفٌّ مُخَضَّبُ
على جسرِ ليلٍ والمآذنُ حولَهُ *** تُرَتِّلُ سرًّا والنجومُ تُقَرِّبُ
رأيتُ وجوهَ الناسِ تمضي كأنَّها *** جداولُ ضوءٍ في الزحامِ تُصَوِّبُ
وكلُّ امرئٍ يُخفي بصدْرِ ثيابِهِ *** غبارَ نهارٍ بالحوادثِ مُتْعَبُ
إلى أن بدا بينَ الوجوهِ وجهٌ كأنَّهُ *** سراجُ سفينةٍ في الدُّجى لا يُغَلَّبُ
إذا التفتَتْ عيناهُ رأيتَ بريقَها *** على صفحةِ الزيتونِ فجرٌ مُهَذَّبُ
سلامةُ من دارِ داوودَ مُقْبِلٌ *** كأنَّ خُطاهُ في المدى تتلهَّبُ
لهُ هيئةُ الوادي إذا سالَ هادئًا *** وفي قعرِهِ سرُّ السيولِ المُخَصَّبُ
إذا نطقَ استسقى المجالسَ صمتُها *** كما يمسكُ العطشانُ ماءً ويشربُ
يُقَلِّبُ ألفاظَ الحديثِ كأنَّما *** يُقَلِّبُ صائغٌ في يديهِ المُذَهَّبُ
وما كانَ يعلو بالصياحِ، وإنَّما *** يَمُرُّ، فتَنحازُ الرؤوسُ وتُطرِبُ
كأنَّ بهِ شيئًا من البحرِ كلَّما *** تأمَّلتَهُ خِلتَ المرافئَ تَحْجُبُ
يُدَبِّرُ أمرَ القولِ في رفقِ حاذقٍ *** كما رتَّبَ النحّاتُ صخرًا فيُصلِبُ
وفي وجهِهِ للمرءِ بشْرٌ كأنَّهُ *** رذاذُ ربيعٍ فوقَ غصنٍ مُشَذَّبُ
وإنْ ضاقَ دربُ الرأيِ، اتَّسعَتْ لهُ *** منافذُ عقلٍ بالرويَّةِ تُثْقَبُ
تراهُ، إذا اشتدَّ الجدالُ كأنَّهُ *** جبينُ صباحٍ والغيومُ تُصَوِّبُ
يُهَوِّنُ وَعثاءَ النفوسِ بنظرةٍ *** كما يمرَّ نسيم الرُّبى الطَيِّبُ
كأنَّ الصباحَ إذا أطَلَّ بوجهِهِ، *** يُقَلِّدُ من إشراقِ عينيهِ ويَكْتُبُ
ويخجلُ ماءُ النهرِ إنْ مرَّ جانبًا *** فَيَحْني جَبينَ الموجِ حتّى يَتَسَرَّبُ
كأنَّ الرعودَ العاتياتِ تَعَلَّمَتْ *** منَ الصوتِ في نبراتِهِ كيفَ تَغْضَبُ
وتحسبُ أنَّ السيفَ أُخِذَتْ صلابتُهُ *** من الكفِّ لا أنَّ الأكفَّ تُهَذَّبُ
كأنَّ المدى من هيبةِ الطَّرفِ، كلَّما *** رآهُ، انثنى صمتًا إليهِ ويَقْرُبُ
فلا هوَ ممَّنْ يطلبُ الذكرَ صائحًا *** ولا المجدُ الموروثُ فيهِ يُهَلِّبُ
ولكنَّهُ مثلُ النخيلِ إذا ارتقى *** توارى بأعلى السَّعفِ وهوَ مُقَرَّبُ
كأنَّ الليالي وهيَ تمضي ثقيلةً *** تُخَفِّفُ وَقْعَ الخُطْبِ حيثُ يُرَتِّبُ
فما كانَ يَسعى كي يُشارَ باسمِهِ *** ولكنَّ نورَ الفعلِ حيثُ يُصَوِّبُ
يمرُّ فتَحيا في الوجوهِ سكينةٌ *** كأنَّ على أكتافِها الغيثَ يُسكَبُ
إذا انطفأتْ نارُ المساءِ رأيتَهُ *** بقايا سراجٍ في المدى لا يُغَيَّبُ
كأنَّ خُطاهُ، وهيَ تمضي، وراءَها *** طريقٌ منَ الأيّامِ يَخْضَرُّ ويَخْصِبُ
ولم تكن هذه القصيدة آخر ما أراد محمد سعد عبدالواحد أن يقوله، بل آثر أن يختتمها بتعليقٍ نثري، رأى فيه أن بعض مشاعر الوفاء لا تقف عند حدود القافية، ولا يحيط بها الشعر وحده، فجاءت هذه الكلمات امتدادًا للقصيدة، وصدىً صادقًا لما حملته أبياتها من تقديرٍ وامتنان.
تعليق بقلم: محمد سعد عبدالواحد

أما بعد، فإن للكبار عند الوداع مقامًا تضيق عنه العبارة، وتعجز عن استيفائه الإشارة؛ إذ ليس كلُّ فضلٍ يُحصى، ولا كلُّ أثرٍ يُستقصى، ولا كلُّ جميلٍ يُؤدَّى حقُّه بالثناء. وإنما الرجالُ بما خلَّفوا من علمٍ يُهتدى به، وفكرٍ يُقتدى به، وسيرةٍ يبقى نورها إذا انطفأت مصابيحُ الأيام، ويخلد ذكرها إذا فنيت آثارُ الأعوام.
وإن الأستاذ الدكتور سلامة داود لم يكن رجلَ منصبٍ يزول بزواله، ولا صاحبَ جاهٍ ينقضي بانقضائه، ولكنه كان للعلم عنوانًا، وللبيان ديوانًا، وللعربية لسانًا، وللأزهر بنيانًا. فحيثما ذُكر البيان ذُكر اسمه، وحيثما ذُكر الأزهر حَسُن ذكره، وما ذاك إلا لأن الله إذا اصطفى عبدًا لحمل رسالة العلم، ألبسه من وقارها، وأجرى على لسانه من بركتها، وأبقى له في القلوب من المحبة ما لا تُبلغه المناصب، ولا تناله الألقاب.
ولقد قيل إن الأيام تطوي الصحائف، وما علموا أن صحائف الفضل لا تُطوى، وإن السنين تُذهب الوجوه، وما علموا أن وجوه العلماء تبقى مشرقةً في صفحات التاريخ، ما بقي للعلم طالب، وللأدب عاشق، وللأزهر منبر، وللعربية ناطق.
فما هذه الكلمات إلا اعترافٌ بفضلٍ وجب، وإقرارٌ بحقٍّ ثبت، ووفاءٌ لعالمٍ إذا انصرف عن كرسيِّ الرئاسة، لم ينصرف عن صدارة المكانة؛ لأن المناصب تُغادر أصحابها، أما العلم فلا يغادر أهله، وأما الذكر الحسن، فذلك ميراثٌ لا يَبلى، وأثرٌ لا يَفنى، وحياةٌ تمتدُّ في القلوب، وإن انقضت السنون وتعاقبت الدهور.
ولعلَّ أعظم مفارقات الحياة أن الناس يظنون التاريخ سجلًّا للأعمار، وليس كذلك؛ بل هو سجلٌّ للآثار. فمن عاش لنفسه انتهى بانتهاء أيامه، ومن عاش لفكره ورسالةٍ آمن بها، ابتدأ حضوره يوم غاب عن الأنظار. ولعلَّ الخلود ليس أن يطول العمر، بل أن يطول الأثر، وليس أن يبقى الجسد، بل أن تبقى الرسالة؛ فإذا رحل الإنسان، بقي ما غرسه من علم، وما أورثه من خير.

ومن هنا أيقنتُ أن الكبار لا يودِّعون التاريخ، بل يودِّعهم التاريخ وهو يحتفظ بأسمائهم. فهم لا يغيبون إذا غابت وجوههم، وإنما يغيبون إذا غابت آثارهم، وآثار العلماء أبقى من الأعمار، وأرسخ من الحجر؛ لأنها تُكتب في العقول قبل أن تُكتب في السطور، وتُحفظ في القلوب قبل أن تحفظها الدفاتر.
وبهذه الكلمات، يختتم محمد سعد عبدالواحد قصيدته وتعليقه، في رسالة وفاء وتقدير إلى الأستاذ الدكتور سلامة داود، الذي يختتم مسيرته رئيسًا لجامعة الأزهر، بعد سنواتٍ حافلة بالعطاء العلمي والإداري. وتبقى هذه القصيدة شاهدًا أدبيًا على مكانة عالمٍ جليل، حمل رسالة العلم بإخلاص، وترك أثرًا سيظل حاضرًا في ذاكرة الأزهر الشريف، وفي وجدان تلامذته ومحبيه، لتؤكد أن الكلمة الصادقة تبقى، كما يبقى أصحاب الرسالات بما غرسوه من علمٍ وأثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى