
تلك النَّظرة المتفحّصة التي ترصد بوابة الدُّخول، والابتسامة التي يتفاوت اتّساعها بحسب هيبة القادم، وتلك المصافحة التي تختلف شدَّتها ومدَّتها تبعًا لمكانة الزائر.. مشهد لم يعد غريبًا في مناسباتنا الاجتماعية، بل تحوّل إلى طقسٍ ثقافيٍّ صامتٍ يمارسه الناس في المناسبات وقاعات الاجتماعات دون أن ينطق به أحد.
ففي كل عرسٍ أو عزاءٍ أو مأدبة طعامٍ نرى صاحب المناسبة أو من ينوب عنه يباشر عملية “فرز” لحظة بلحظة منذ وصول أول المدعوّين، عيناه تبحثان عن الوجوه المعروفة في وسائل الإعلام أو الشخصيّات ذات المكانة المرموقة في المجتمع ليُسرع إليها بخطواتٍ واسعةٍ وترحيبٍ بحفاوة وتخصيص صدر المجلس لهم، فيما يكتفي بـ”أهلًا وسهلًا” باردة لبقية الحضور، كأنما يكمل بهم العدد لا القيمة.
الاستعراض بالعلاقات أصبح سلعةً رائجةً، بل تتنافس عليها الصحف والمجلات قديمًا، ومنصات التواصل الاجتماعي حديثًا. نجد صور الحضور تُنشر بعناية فائقة، وتُذيَّل أسماؤهم بوظائفهم ومناصبهم، لا لإبرازهم وإنَّما لإبراز صاحب الدعوة نفسه، وكأنما تقول الصور الملتقطة: (انظروا من يعرفني ومن يُلبّي دعوتي)! إنها رسالة ناعمة خبيثة تقول: (مكانتي الاجتماعية تقاس بثقلي على الأرض، وثقلي يُقاس بمن يمشون خلفي).
وعلى الرغم من أن ديننا الحنيف وعاداتنا وتقاليدنا الأصيلة تدعو صراحةً إلى مبدأ المساواة وخلق التّواضع، وتنهى عن التكبّر والتّمييز في معاملة النّاس، ونحن نردد في محافلنا “الناس سواسية كأسنان المشط”، فإنَّ الفعل يناقض القول؛ غفلنا -أو نتغافل- عن تلك القيمة الجوهرية، لنسير خلف سراب (إرضاء المجتمع) بدلًا من إرضاء ضمائرنا، فنحن إذ نُقيِّم الناس على مناصبهم، نكون قد حوّلنا علاقاتنا الإنسانية إلى مصالح ومعاملات تجاريّة باردة.
وهنا تأتي المفارقة العميقة التي تتطلب وقفةً جادّة، فهذا الضيف البسيط الذي لا يحمل لقبًا برّاقًا ولا وظيفة نافذة، ولا تلتقط له عدسات المصورين صورة، قد يكون هو الأغنى قيمةً بين الحضور، فقد جاء بدافع خالص من القلب، محبةً لصاحب المناسبة وليس طلبًا لمعروف أو بحثًا عن منفعة، لا ينتظر ترحيبًا خاصًّا ولا يشغل باله بموقعه في قائمة المدعوين، حضورُه من أجل تقديم الواجب، ووفاءٌ للصحبة، لا يبتغي من ذلك ثناءً، أمّا الشخصية الرفيعة التي اهتزَّت أرجاء القاعة عند حضورها، وقُدّم لها أرقى عبارات الترحيب، فلربما كانت إقامتها هنا مؤقتة، ومصلحتها عابرة ستغادر ولا تعود، وستنسى عنوان هذا البيت حين يزول عطاؤها.
فلنتأمل في حقيقة لا مفرَّ منها: مع مرور الأيام والسنين، تتغير الدنيا وترحل الشخصيات، ويسقط من حسابات الناس من كانوا أمس في القمة، ويتقاعد المديرون وتُطوى صفحات المشاهير، حينها من سيبقى؟ يبقى أولئك الأصدقاء الحقيقيون (البسطاء) الذين لم يسألوا يومًا عن المسمى الوظيفي، يبقى من شارك صاحب المناسبة فرحه وحزنه، ووقف بجانبه في الشدّة قبل الرخاء، وربطَته بهم أواصر القلوب لا أواصر المصالح.
لذلك من الأجدر بنا ونحن نُعد قوائم مدعوّينا أن نعيد تعريف (الأهمية)؛ الأهمية ليست في من يرفع سقف المجلس بحضوره، بل في من يرفع قيمة الإنسانية بيننا. دعونا نُكرِم الناس لأخلاقهم، ووفائهم، وإخلاصهم، لا لمناصبهم التي هي كالظل؛ يطول حينًا ويقصر حينًا.
فلتكن دعواتنا للضيوف لا لمكانتهم أو لمنصبهم، ولنسأل أنفسنا قبل كل مناسبة: هل ندعو هذا الرجل لأنه يملك (جاهًا) أم لأنه يملك قلبًا؟ هل نرحب بهذه السيدة لأنها مشهورة أم لأنها وفيّة؟
بهذا الإدراك وحده نستطيع أن نُعيد للمناسبات روحها الحقيقية، ونجعلها مساحات للتواصل الإنساني النقي لا ساحات لعرض البضائع الاجتماعية المؤقَّتة.



