“كان لازم أسيبك مُنبهر”.. الأردن: كامل جميل مراد *

جملةٌ موجزةٌ أطلقتها إحدى المطربات المتميزات في حوارٍ إعلاميٍّ قريبٍ، ولقيت استحسانًا واسعًا، وكنتُ أوَّل المُصَفِّقين لها لأنها لمستْ في داخلي شيئًا طالما شعرتُ به لكنّي خجلتُ من الإفصاحِ عنه، أو من العثور على صيغةٍ تعبّر عنه دون أن تجرح مشاعر من عرفتهم.
في رحلة العمر نقابل شخصياتٍ شتَّى، فيهم من يفوقنا علمًا وثقافةً، وفيهم من دون ذلك، لكن التفاوت لا يقف عند الحدود الماديَّة أو المعرفيَّة، بل يمتدُّ ليشمل السلوكيَّات والتَّصرفات الاجتماعية، فهناك أناسٌ تنشأ بيننا وبينهم معرفةٌ بدأت بإعجابٍ بظرفٍ ما في شخصنا، لكن سرعان ما تنكشف النوايا بعد اختبار نقاط القوة والضعف؛ وحين يتيقَّنون من صفاء القلب وحسن النيَّة ومن أنَّ ما نمتلكه من صفاتٍ يفوقهم بمراحلَ لكنَّ بساطتنا أجبرتنا على الظهور بحقيقتنا دون تكلُّف، نجدهم يشرعون في مقارنة أنفسهم بنا، بل ومحاولة تصدير صورتنا للآخرين على أنَّا (أشخاصٌ عاديّون)!
إنها محاولةٌ بائسةٌ نابعةٌ من قلوبٍ غير نقية لمحاكاة من يرونه ناجحًا أو مؤثرًا، لكن مع مرور الأيام يستفيق الإنسان، ويعيد ترتيب حساباته مع نفسه، فيُعيد تقييمهم، ويُعيدهم إلى أماكنهم الطبيعية التي يستحقونها. ولكلِّ شخصٍ في حياتنا مِقياسٌ وحجمٌ ومساحةٌ، فإما أن يستمرَّ في دائرته وهو مدركٌ لحدودها، وإما أن نضطرَّ نحن إلى إعادته إليها.
لحظة الاستيقاظ ليست لحظة غضبٍ أو انتقام، بل هي لحظة تصحيحٍ بصريٍّ واستعادةٍ للتوازن المفقود؛ إنها إعادة ضبطٍ للخلل الذي أوجدوه في المعادلة، فأعيدهم إلى حجمهم الطبيعي، لا انتقاصًا منهم، بل إنصافًا لذاتي، واعترافًا بأنَّ التواضع لا يعني الانكماش، وأنَّ الاحترام المتبادل يبدأ بوضوح الحدود.
أما عبارة المطربة: “كان لازم أسيبك منبهر”، فهي ليست تعاليًا، بل توقيعٌ على استحقاق الذات، وإعلانٌ بأنَّ إخماد نورنا كي لا يزعج الآخرين هو ظلمٌ لنا، وأنَّ تركهم في دهشةٍ من حقيقتنا هو أقلُّ واجبٍ نقدِّمه لأنفسنا بعد كلِّ ذلك الصبر.
احتفظ بقلبك النقي، ولا تدع بساطتك تتحول إلى سجادةٍ تُمسَح بها الأقدام. الناس مساحات، واحترامك لهم يبدأ باحترامك لحدودك. من يستحق المكان في حياتك سيبقى فيه دون حاجةٍ لتذكيره بحجمك، ومن حاول تقليصك فليس أمامك سوى أن تتركه منبهرًا من بعيد، لأنَّ بعض القلوب لا تتسع لعظمة الآخرين، وتلك مشكلتهم لا مشكلتك.
*كاتب وروائي أردني



