أخبار المدن

من سيدارى إلى استوكهولم الاأفكار الصغيرة تصنع حلولا كبيرة

لم يكن المشهد في قاعة الاحتفال مجرد منصة لتوزيع الجوائز، بل كان أشبه بخريطة صغيرة لمستقبل البيئة في المنطقة العربية؛ نفايات تتحول إلى مواد بناء، وتكنولوجيا تعيد تنظيم التعامل مع أزمة بيئية، ومخلفات إلكترونية تتحول إلى أداة طبية، ومياه صرف يجري التفكير فيها كمصدر للمعالجة والطاقة في آن واحد.
هنا داخل مركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا «سيداري»، اجتمع أصحاب هذه الأفكار في احتفالية نظمها المركز لتكريم الفائزين بالنسخة الأولى من جائزة سيداري للابتكار البيئي 2026، والفائزين بجائزة ستوكهولم جونيور للمياه – مصر 2026، وسط حضور رسمي وأكاديمي ودبلوماسي واسع استضافه
الدكتور خالد فهمي المدير التنفيذي لـ«سيداري» ووزير البيئة الأسبق و تقدمته الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، والسفير داج يولين، سفير مملكة السويد لدى مصر، والسفير ناجي الناجي، القائم بأعمال سفارة دولة فلسطين، وممثلي اتحاد الجامعات العربية والجامعات والمؤسسات البحثية وأعضاء لجان التحكيم والشركاء.
وبالنسبة للدكتور خالد فهمي، الذي استضاف «سيداري» الاحتفالية ونظمها، فإن الجائزة ليست مجرد منافسة تنتهي بإعلان أسماء الفائزين؛ فالقيمة الحقيقية تبدأ بعد التكريم، عندما تجد الفكرة من يساعدها على التطور، ويجد صاحبها طريقًا إلى الخبراء والمؤسسات والشركاء القادرين على نقل المشروع من الورق والمختبر إلى التطبيق.
هذه الفكرة كانت حاضرة بقوة في فلسفة الاحتفالية؛ فالمنطقة العربية تواجه تحديات متشابكة في المياه والمناخ والطاقة والموارد والنفايات، والتعامل معها لم يعد ممكنًا بالحلول التقليدية وحدها، وإنما يحتاج إلى جيل جديد يمتلك العلم والقدرة على التجربة والتفكير خارج القوالب المعتادة.
237 مشروعًا.. 15 دولة
في نسختها الأولى، فتحت جائزة سيداري للابتكار البيئي أبوابها أمام طلاب الجامعات العربية، واستقبلت 237 مشروعًا من 15 دولة عربية.
وتوزعت المنافسة على أربعة مسارات رئيسية تمس قلب الأزمة البيئية المعاصرة: المناخ والطبيعة، الاقتصاد الدائري، الأمن المائي والغذائي، والطاقة المستدامة والمرونة الحضرية.
ولم يكن الرقم وحده هو اللافت، وإنما تنوع الأفكار التي وصلت إلى مرحلة المنافسة؛ إذ تعامل الشباب مع النفايات باعتبارها موارد يمكن استردادها، ومع التكنولوجيا كأداة لإدارة الأزمات، ومع البيئة والصحة والمياه والزراعة باعتبارها ملفات متصلة وليست قضايا منفصلة.
وكان على لجنة التحكيم أن تفرز هذا العدد الكبير من المشروعات وفق معايير تتجاوز حداثة الفكرة، لتشمل الابتكار والجدوى والأثر البيئي وإمكانات التطبيق والتوسع.
وضمت لجنة التحكيم خبرات أكاديمية ومهنية عربية ودولية، من بينها الدكتورة شيرين نبيل أبو غزالة، والأستاذ الدكتور ناصر سليمان العمري، والأستاذة الدكتورة أسماء علي أبا حسين، والدكتور صابر عثمان، والدكتور محمود فتح الله، والأستاذ الدكتور هشام العسكري، والمهندس أحمد أبو السعود، والدكتور عمر البدوي.
فلسطين في المركز الأول
وفي النهاية، ذهب المركز الأول إلى فلسطين، في مشهد حمل بعدًا عربيًا لافتًا، بفوز الطالب أنس يوسف محمد الأشقر من جامعة الأزهر – غزة عن مشروع NaqaaSync.
المشروع يتعامل مع واحدة من أكثر المشكلات البيئية إلحاحًا في قطاع غزة، وهي تراكم النفايات الصلبة، من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي ونظم المعلومات الجغرافية للمساعدة في تحديد المناطق الأكثر خطورة وترتيب أولويات التدخل.
الفكرة هنا لا تعتمد فقط على إزالة النفايات، وإنما على استخدام البيانات والتكنولوجيا لتحديد أين يبدأ التدخل وكيف يمكن استخدام الموارد المتاحة بكفاءة أكبر، وهو ما يمنح المشروع بعدًا يتجاوز الحل التقليدي للمشكلة.
أما المركز الثاني، فكان مصريًا، وذهب إلى فريق من جامعة المنوفية عن مشروع Replast Build، الذي ينطلق من سؤال بسيط لكنه شديد الأهمية: ماذا لو أمكن التعامل مع المخلفات البلاستيكية باعتبارها مادة خام بدلًا من كونها عبئًا بيئيًا؟
المشروع يقدم تصورًا لإعادة توظيف البلاستيك في إنتاج مواد بناء، بما يربط بين الحد من المخلفات ودعم الاقتصاد الدائري وتوفير مواد يمكن استخدامها في قطاع البناء، مع خصائص مرتبطة بالعزل الحراري ومقاومة الرطوبة.
وفي المركز الثالث جاء مشروع Smart Scout، الذي قدمه فريق من ثلاث جامعات مصرية، وحاول توظيف تقنيات الاستشعار والتحكم الذكي في مواجهة خسائر المحاصيل المرتبطة بالطيور والآفات، بالتوازي مع تحسين إدارة الري والحفاظ على المياه.
أما المركز الثالث مكرر، فذهب إلى مشروع يفتح بابًا مختلفًا تمامًا؛ إذ جمع بين التخلص من النفايات الإلكترونية والاستفادة منها في المجال الطبي، من خلال تطوير سماعة طبية رقمية لرصد أصوات القلب باستخدام مكونات من الهواتف المحمولة المهملة وتقنيات معالجة الإشارات التكيفية.
وهكذا لم تكن المشروعات الأربعة مجرد نماذج مختلفة للابتكار، بل أربع طرق للنظر إلى المشكلة نفسها: هل يمكن أن تتحول الأشياء التي نعتبرها مخلفات إلى موارد؟ وهل يمكن للتكنولوجيا أن تجعل استخدام الموارد أكثر كفاءة؟ وهل يمكن لفكرة طلابية أن تقدم حلًا قابلًا للتطبيق؟
المياه.. مساحة أخرى للابتكار
إذا كانت جائزة سيداري قد فتحت الباب أمام طلاب الجامعات، فإن جائزة ستوكهولم جونيور للمياه – مصر 2026 نقلت الفكرة إلى سن أصغر، وأكدت أن التفكير في مستقبل المياه لا يبدأ بالضرورة داخل مراكز الأبحاث الكبرى.
وينظم «سيداري» الجائزة في مصر بالشراكة مع مؤسسة ستوكهولم الدولية للمياه، للسنة الثانية على التوالي، بهدف تشجيع طلاب المدارس على ابتكار حلول علمية للتحديات المرتبطة بالمياه والاستدامة.
وشهدت النسخة المصرية هذا العام 110 مشروعات، تولت تقييمها لجنة وطنية ضمت متخصصين في إدارة الموارد المائية والهندسة والبيئة، من بينهم الدكتور محمد عبد العاطي، المستشار الإقليمي لشؤون إدارة الموارد المائية بـ«سيداري» ووزير الموارد المائية والري الأسبق، والأستاذ الدكتور أحمد جابر، والأستاذة الدكتورة شيرين شوقي، والمهندس أحمد أبو السعود، والدكتور محمد خالد.
وتكشف طبيعة تشكيل اللجنة عن طبيعة المسابقة نفسها؛ فالمشروع لا يكفي أن يكون مبتكرًا، بل يجب أن يملك أساسًا علميًا، وأن تكون له علاقة حقيقية بالتحدي المائي، وأن يحمل إمكانية للتطوير.
ومن بين 110 مشروعات، وقع الاختيار على مشروع الطالبة بسملة رضا دياب من مدرسة الشهيد أحمد موافي المتميزة للغات بمحافظة الدقهلية، لتمثيل مصر في النهائيات الدولية للجائزة.
المشروع قدم معالجة تجمع بين معالجة مياه الصرف الصحي وإنتاج الطاقة، من خلال تطوير خلايا الوقود الميكروبية والاستفادة من الكربون المنشط المستخلص من المخلفات الزراعية، إلى جانب مواد نانوية مشتقة من أوراق الشاي.
وفي النهائيات الدولية التي أقيمت في ستوكهولم، نجحت بسملة في حصد جائزة اختيار الجمهور «People’s Choice Award» لعام 2026، لتضيف إنجازًا دوليًا إلى مسار المسابقة المصرية.
لكن أهمية الجائزة، كما أكدت الدكتورة منال عوض، لا تتوقف عند لحظة الفوز، وإنما فيما يمكن أن يحدث بعد ذلك؛ إذ إن الأثر الحقيقي للابتكار يظهر عندما يجد طريقه إلى المجتمع، ويساعد في حماية الموارد وتحسين حياة الناس.
الوزيرة: المشكلة هي بداية الحل
وخلال الاحتفالية، أكدت الدكتورة منال عوض أن المشروعات التي جرى تكريمها تقدم نموذجًا لطريقة يمكن أن يبدأ بها الابتكار: مشكلة حقيقية يلاحظها شاب أو طالبة، ثم تتحول الملاحظة إلى بحث وتجربة، ثم إلى حل يمكن تطويره وتطبيقه.
وأشادت بجهود «سيداري» وشركائه ولجان التحكيم في إتاحة هذه المساحة أمام الشباب، معتبرة أن تنوع المشروعات يعكس اتساع مفهوم الابتكار البيئي ليشمل المناخ والطبيعة والمياه والطاقة والمخلفات والأمن الغذائي ومرونة المدن.
وشددت على أن نجاح أي مشروع بيئي يحتاج إلى أكثر من فكرة جيدة، إذ يتطلب معرفة علمية وتنسيقًا بين المؤسسات ومشاركة المجتمعات التي ستتأثر بالحلول المقترحة.
كما أكدت أهمية تحويل الدراسات والشراكات إلى أدوات عملية يمكن أن تساعد المؤسسات والمجتمعات على اتخاذ قرارات أفضل، مشيرة إلى الدور الذي يؤديه «سيداري» منذ تأسيسه عام 1992 في الربط بين المعرفة البيئية وصنع القرار والعمل الميداني.
خالد فهمي: الجائزة بداية وليست نهاية
ومن جانبه، وضع الدكتور خالد فهمي التركيز على المرحلة التي تبدأ بعد الفوز.
فبالنسبة له، لا ينبغي أن يتحول التكريم إلى نهاية القصة؛ فالمشروع الفائز يحتاج إلى فرصة أخرى حتى يكبر، وإلى خبراء يساعدون صاحبه على تطويره، وشركاء يمكنهم اختبار إمكانية تطبيقه، وربما إلى تمويل يسمح بتحويل النموذج الأولي إلى منتج أو خدمة.
ويرى فهمي أن إشراك الشباب في الحوار العلمي والبيئي، وإتاحة الفرص أمامهم للتواصل مع الخبراء والمؤسسات على المستويين العربي والدولي، يمثل جزءًا أساسيًا من الاستثمار في المستقبل.
ومن هذه الزاوية، فإن أهمية الجائزة تمتد إلى مئات الطلاب الذين شاركوا ولم يصلوا إلى منصة التتويج؛ فالمشاركة نفسها تمنحهم تجربة بحثية حقيقية، وتضع أفكارهم أمام متخصصين، وتعلمهم كيف يختبرون الفكرة ويقبلون النقد ويطورون النموذج.
كما أن حضور خبرات من مجالات متعددة في لجان التحكيم يمنح المنافسة قيمة إضافية، لأن المشروع البيئي الناجح يحتاج إلى أن يجمع بين أكثر من تخصص، ولا يمكن تقييمه من زاوية واحدة فقط.
من منصة التكريم إلى أرض الواقع
في نهاية الاحتفالية، بدا أن المشروعات الفائزة جمعت بينها فكرة واحدة رغم اختلافها: البيئة لا تحتاج فقط إلى من يشكو من المشكلة، وإنما إلى من يحاول إعادة تعريفها وتحويلها إلى فرصة للحل.
نفايات بلاستيكية يمكن أن تدخل دورة إنتاج جديدة، ومخلفات إلكترونية يمكن أن تحمل قيمة طبية، وبيانات يمكن أن تساعد في إدارة أزمة نفايات، وتقنيات ذكية يمكن أن تخدم الزراعة والمياه، ومياه صرف يمكن التعامل معها في إطار يجمع بين المعالجة وإنتاج الطاقة.
وهنا تبرز المسؤولية التي تبدأ بعد الجوائز. فالمقياس النهائي لنجاح هذه الأفكار لن يكون عدد الشهادات التي حصل عليها أصحابها، وإنما قدرتها على الصمود أمام الاختبار الأصعب: اختبار الواقع.
وهذا هو الرهان الذي يضعه «سيداري» أمام هذه التجربة؛ أن تتحول المنافسة إلى شبكة من المبتكرين، وأن تتحول الجوائز إلى فرص، وأن تتحول الأفكار التي بدأت داخل المدارس والجامعات إلى حلول يمكن أن تخدم المجتمعات العربية.
الفائزون ومشروعاتهم
جائزة سيداري للابتكار البيئي 2026: المركز الأول أنس يوسف محمد الأشقر من جامعة الأزهر – غزة، عن مشروع NaqaaSync. المركز الثاني فريق جامعة المنوفية، ويضم فتحي أيمن فتحي حجر، مصطفى مسعد علي أبو النصر، وجابر تامر جابر عفيفي، عن مشروع Replast Build. المركز الثالث ندى رضا عبد العاطي من الجامعة المصرية الصينية، وحبيبة خالد علي من الجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا، ورويدة سيد طه من جامعة النيل، عن مشروع Smart Scout. والمركز الثالث مكرر حسن السيد عبداللطيف وعبدالله أحمد خليل من جامعة المنصورة الجديدة، عن مشروع تحويل النفايات الإلكترونية إلى سماعة طبية عالية الدقة لرصد أصوات القلب باستخدام المعالجة التكيفية للإشارات.
جائزة ستوكهولم جونيور للمياه – مصر 2026: المركز الأول بسملة رضا دياب من مدرسة الشهيد أحمد موافي المتميزة للغات بمحافظة الدقهلية، عن مشروع تطوير خلايا الوقود الميكروبية لمعالجة مياه الصرف الصحي وإنتاج الطاقة باستخدام الكربون المنشط المستخلص من المخلفات الزراعية ومواد نانوية مشتقة من أوراق الشاي، مع حصولها لاحقًا على جائزة اختيار الجمهور «People’s Choice Award» في النهائيات الدولية بستوكهولم. كما جاء في المراكز التالية فريق عمر صلاح عبدالمعز عفيفي وياسين طارق سالم عن مشروع نظام زراعة مائية آلي مزود بمعالجة للمياه ونظام تحكم قائم على التغذية الراجعة، وفريق مينا زكريا نادي ومارتيروس عاطف وضاح عن مشروع Micro-Trap، وفريق سيف حسن ويوسف محمد الوكيل عن مشروع معالجة المياه باستخدام الأوزنة والمعالجة النباتية.
كما جرى خلال الاحتفالية الترحيب بالطالب بلال أمجد، الحاصل على المركز الرابع في جائزة ستوكهولم جونيور للمياه – مصر 2025، تقديرًا لمشاركته في أسبوع المياه العالمي بستوكهولم 2026.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى