أخبار المدن

من سيوة إلى العالم.. شراكة مصرية إماراتية للتمور مصر والإمارات.. شراكة تصنع مستقبل التمور

في قلب واحة سيوة، حيث ترتبط أشجار النخيل بتاريخ المكان واقتصاد سكانه، تتواصل رحلة تطوير قطاع التمور المصرية، عبر شراكة مصرية إماراتية تجمع بين دعم المزارعين، وتحديث التصنيع والتخزين، وتعزيز البحث العلمي والابتكار الزراعي، وفتح آفاق أوسع أمام الاستثمار والتصدير. ومع انطلاق الدورة التاسعة للمهرجان الدولي للتمور المصرية خلال شهر أكتوبر، تتجدد الآمال في تحويل الثروة الإنتاجية التي تمتلكها مصر إلى قيمة اقتصادية مضافة، تعزز تنافسية المنتج المصري في الأسواق العالمية.
وتنطلق الدورة الجديدة تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبدعم من الشيخ ذياب بن محمد بن زايد آل نهيان، رئيس مجلس أمناء مؤسسة إرث زايد الإنساني، لتواصل مسيرة تعاون استهدفت تطوير قطاع النخيل والتمور، وربط الإنتاج الزراعي باحتياجات الصناعة والتسويق، بما يحقق عائداً أكبر للمزارعين والمنتجين ويدعم فرص التنمية في مناطق الإنتاج.
وتعكس الأرقام حجم الفرصة التي يمتلكها هذا القطاع؛ فوفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو»، بلغ إنتاج مصر من التمور نحو 1.87 مليون طن عام 2023، لتتصدر الدول المنتجة عالمياً في ذلك العام، بحصة تقدر بنحو 19% من الإنتاج العالمي. وتشير بيانات عام 2024 المستندة إلى قاعدة «فاوستات» إلى إنتاج يقارب 1.75 مليون طن، بما يؤكد اتساع القاعدة الإنتاجية المصرية، مع اختلاف الأرقام وفق السنة المرجعية ومصدر البيانات.
لكن امتلاك هذه الكميات لا يكفي وحده لتحقيق أقصى استفادة اقتصادية؛ فالتحدي الحقيقي يتمثل في تقليل الفاقد، وتحسين جودة الثمار، وتطوير عمليات الفرز والتعبئة والتخزين والتصنيع، وتوسيع منافذ التسويق، وصولاً إلى زيادة القدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية.
من المهرجان إلى التنمية
منذ انطلاقته، شكّل المهرجان الدولي للتمور المصرية منصة تجمع المزارعين والمنتجين والمصنعين والباحثين والخبراء، لتبادل الخبرات ومناقشة التحديات التي تواجه القطاع، واستعراض أحدث الممارسات والتقنيات التي يمكن أن تسهم في تحسين الإنتاج ورفع جودة المنتجات.
ويقول الأستاذ الدكتور عبد الوهاب البخاري زائد، أمين عام جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي، إن المهرجان مثّل محطة مهمة في مسيرة تطوير قطاع النخيل والتمور المصري، من خلال تعزيز تبادل المعرفة، وتحسين الممارسات الزراعية، والارتقاء بجودة الإنتاج، وتوسيع مجالات التعاون بين المؤسسات المعنية.
ويحمل اختيار واحة سيوة لاستضافة المهرجان دلالة خاصة، بالنظر إلى تاريخها العريق في زراعة النخيل، ومكانة التمور في النشاط الاقتصادي والاجتماعي لسكانها. ومع توالي الدورات، اتسعت مجالات الاهتمام لتشمل مواجهة الآفات والأمراض، وتحسين الإنتاجية، وتطوير التعبئة والتصنيع، وتعزيز فرص الوصول إلى الأسواق.
ولم تقتصر الشراكة المصرية الإماراتية، التي تقودها جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي التابعة لمؤسسة إرث زايد الإنساني بديوان الرئاسة الإماراتية، على تنظيم الفعاليات وتبادل الخبرات، بل امتدت إلى مشروعات تستهدف تطوير البنية الأساسية للقطاع، باعتبارها عنصراً رئيسياً في تعظيم العائد من المحصول.
وشملت الجهود تأهيل وتطوير مصنع التمور الحكومي في سيوة، وتحديث قدراته في التصنيع والتعبئة، إلى جانب دعم البنية الصناعية لمجمع تمور الوادي الجديد. كما تضمنت إنشاء مخازن مبردة في الواحات البحرية بسعة تصل إلى خمسة آلاف طن، بما يساعد على الحفاظ على جودة المحصول، والحد من التلف، وتحسين إدارة المخزون.
وتبرز أهمية هذه المشروعات في أن رحلة التمرة لا تنتهي عند الحصاد، بل تبدأ بعدها مراحل حاسمة في تحديد قيمتها النهائية. فالفرز الدقيق، والتدريج، والتعبئة المناسبة، والتخزين وفق الاشتراطات المطلوبة، عوامل تؤثر في جودة المنتج وقدرته على الوصول إلى المستهلك بحالة جيدة، كما تحدد فرص تسويقه بأسعار أفضل.
المزارع في قلب التطوير
يمثل المزارع الحلقة الأساسية في منظومة إنتاج التمور، ولذلك حظي التدريب والإرشاد الزراعي بمكانة مهمة ضمن مجالات التعاون، من خلال الندوات العلمية والبرامج التدريبية والمسابقات المتخصصة التي تستهدف نشر الممارسات الزراعية الجيدة، وتحفيز التميز في الإنتاج والجودة.
وامتدت المبادرات إلى دعم ممارسات الإنتاج العضوي، ورفع الوعي بأساليب التعامل مع المحصول، بما يساعد على تحسين خصائص المنتج ويفتح المجال أمام الاستفادة من الأسواق المتخصصة التي تضع اشتراطات محددة للجودة وطرق الإنتاج.
وتواجه زراعة النخيل تحديات متشابكة، تشمل ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، والضغوط على الموارد المائية، وانتشار بعض الآفات والأمراض، فضلاً عن تفاوت جودة الثمار وصعوبات التسويق. ومن ثم، فإن تحسين أوضاع القطاع يتطلب تكاملاً بين الإرشاد الزراعي والبحث العلمي والتصنيع والتسويق، بدلاً من التعامل مع كل مرحلة بمعزل عن الأخرى.
وفي هذا السياق، يبرز دور البحث العلمي في تطوير القطاع، من خلال دعم الدراسات والخطط الاستراتيجية، والمساهمة في إعداد الخريطة الزراعية المناخية لأصناف نخيل التمر، بما يساعد على اختيار الأصناف الملائمة للظروف البيئية وتحسين التخطيط الزراعي والاستثماري.
ومع تزايد تأثيرات التغيرات المناخية والضغوط على المياه، تزداد الحاجة إلى توظيف التقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي والزراعة الدقيقة والتقنيات الحيوية وأنظمة الفرز الذكي، لتحسين كفاءة الإنتاج، وتقليل الفاقد، ورفع كفاءة التصنيع، وتحويل نتائج الأبحاث إلى تطبيقات عملية داخل المزارع والمصانع.
من سيوة إلى مناطق الإنتاج المختلفة
لم تعد تجربة المهرجان مرتبطة بواحة سيوة وحدها، إذ امتدت فعالياته إلى مناطق إنتاج أخرى، من بينها أسوان والواحات البحرية، بما أتاح إبراز تنوع البيئات الزراعية المصرية واختلاف أصناف التمور واحتياجات المنتجين من منطقة إلى أخرى.
ويسهم هذا الامتداد في تعزيز تبادل الخبرات بين المزارعين والمصنعين والمؤسسات المحلية، وطرح التحديات المرتبطة بكل منطقة، بما يدعم رؤية أكثر شمولاً لتطوير القطاع على المستوى الوطني.
كما يوفر المهرجان مساحة للتواصل بين المنتجين والمصدرين والتجار والمستثمرين، وعرض المنتجات والابتكارات، وتشجيع تطوير أساليب التعبئة والتغليف، بما يتناسب مع احتياجات الأسواق المحلية والدولية.
وتأتي الصناعات التحويلية في مقدمة المجالات الواعدة لتعظيم القيمة المضافة للتمور، من خلال إنتاج معجون التمر والدبس ومكونات غذائية أخرى، إلى جانب الاستفادة من نواتج النخيل الثانوية في تطبيقات متنوعة تدعم الاستخدام الأمثل للموارد وتفتح مجالات جديدة للاستثمار والتشغيل.
فبدلاً من الاعتماد على بيع التمور في صورتها الأولية فقط، يمكن للتصنيع أن يوسع قاعدة المنتجات، ويخلق فرصاً اقتصادية جديدة، ويتيح الاستفادة من درجات مختلفة من المحصول وفق الاستخدام المناسب لكل منها، مع الالتزام باشتراطات سلامة الغذاء والجودة.
غير أن زيادة الحضور المصري في الأسواق العالمية تظل مرتبطة بتطوير منظومة متكاملة تشمل جودة الإنتاج، وكفاءة التخزين والنقل، والخدمات اللوجستية، والتسويق، والالتزام بمتطلبات الدول المستوردة. كما يتطلب قياس نجاح الجهود رصد أثرها الفعلي على معدلات الفاقد، والإنتاجية، والعائد الاقتصادي، وفرص العمل، وحجم الصادرات.
شراكة تتطلع إلى المستقبل
تعكس مسيرة المهرجان أبعاد التعاون المصري الإماراتي في دعم زراعة النخيل وإنتاج التمور، ودور جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي في تعزيز المبادرات التطبيقية وتبادل الخبرات، بالتعاون مع المؤسسات الحكومية والعلمية والاقتصادية المصرية.
وجاءت هذه المسيرة بدعم الشيخ ذياب بن محمد بن زايد آل نهيان، وبمتابعة الشيخ نهيان مبارك آل نهيان، وزير التسامح والتعايش ورئيس مجلس أمناء الجائزة، في إطار جهود تستهدف تطوير القطاع وتعزيز الابتكار الزراعي.
ومع الدورة التاسعة، تتقدم مجموعة من الأولويات التي تتصل مباشرة بمستقبل التمور المصرية، في مقدمتها ترشيد استخدام المياه، وتحسين جودة الإنتاج، وتطوير الصناعات التحويلية، وزيادة قدرات التخزين، وتوسيع فرص التسويق والتصدير، والاستفادة من البحث العلمي في مواجهة التحديات المناخية والاقتصادية.
وتبقى أهمية هذه المسيرة في قدرتها على الانتقال من تبادل الخبرات وعرض المبادرات إلى تحقيق نتائج قابلة للقياس، يشعر بها المزارع في عائده، والمصنع في قدرته الإنتاجية، والمستهلك في جودة المنتج، والاقتصاد في حجم القيمة المضافة وفرص العمل.
وبين جذور النخيل الممتدة في أرض سيوة، وطموح الوصول إلى أسواق العالم، يواصل المهرجان دوره منصةً للحوار والتطوير، وفرصةً لتجديد الشراكات وبناء رؤية أكثر تكاملاً لقطاع يمتلك مقومات كبيرة، ويحتاج إلى مواصلة الاستثمار في المعرفة والجودة والتصنيع والتسويق، حتى تتحول ريادة مصر في الإنتاج إلى حضور أوسع وتأثير أكبر في تجارة التمور العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى