
(من يمنح الثقة ينتظر الأمان)
الرياض: كامل مراد
لماذا يثق الطفل بوالده تمام الثقة عندما يقف على حافة المسبح ثم يقفز في الهواء نحو تلك الأذرع الممدودة؟ إنها ثقة عمياء، نقية، لا تشوبها شكوك الماضي ولا مخاوف المستقبل؛ إنه يقفز لأنه يعلم في أعماق قلبه الصغير أن هذا الإنسان (والده) هو ملاذه وأمانه ولن يخذله أبدًا.
هذه اللحظة البسيطة تحتوي سرًّا عظيمًا: (الثقة هي قبول الضعف في مواجهة قوة الآخر وأمانته)، فالطفل في المسبح ضعيف لا يعرف السباحة، والماء قد يُغرِقه، لكنه يثق بقوة ذراعَيّ والده وبأمانة قلبه فيقفز؛ إنها معادلة بديعة: (الضعف + الأمان = الثقة).
ثم تمضي الأيّام، ونكبر معها؛ ها هو ذلك الطفل نفسه، أصبح شابًّا يقف على عتبة مستقبله في الجامعة. لم تعد المسألة مسبحًا، بل أصبحت الحياة بحرًا واسعًا من الخيارات والمخاوف؛ في هذه اللحظة الحاسمة يلتفت مرة أخرى إلى المصدر نفسه: “أبي، ماذا تنصحني؟”.
هنا.. لم تختفِ ثقة المسبح، بل تطورت وارتدت ثوبًا جديدًا؛ لم تعد الثقة مجرد قفزة جسدية، بل أصبحت قفزة مصيرية. الشاب لا يثق أن والده لن يتركه يغرق فحسب، بل يثق بحكمته وتجاربه، ونصحه الذي يصوّب اتجاه السفينة في بحر الحياة المتلاطم؛ الثقة هنا هي الاعتراف بالحاجة إلى الدليل في متاهة الاختيارات.
من هاتين الصورتين المتتابعتين في رحلة الحياة نستقي الدرس الأهم: (من يمنح الثقة ينتظر الأمان)؛ هذه الجملة هي خلاصة العلاقات الإنسانية الناجحة؛ عندما تمنح ثقتك لصديق فأنت تنتظر منه أن يحفظ سرك، لا أن ينشره، وعندما تمنحها لشريك حياتك تنتظر الوفاء لا الخيانة، وعندما تمنحها لقياديٍّ تنتظر منه أن يرشدك إلى الصواب لا أن يضلك.
لكن الثقة كالزجاج الرقيق؛ إذا خُذل الطفل في المسبح فقد لا يجرؤ على القفز مرة أخرى، وإذا خاب ظن الشاب في نصيحة والده فقد يبحث عن المرشد في مكان آخر، وربما في المكان الخطأ، لذلك يجب أن نكون أمناء على ثقة الآخرين كما نطالبهم بأن يكونوا أمناء على ثقتنا.
يجب أن ندرك أن من يثق بنا قد وضع في يدنا جزءًا من روحه وجزءًا من أمانه، وحفظ هذه الأمانة ليس فضيلة فحسب، بل هو مسؤولية إنسانية عظيمة!
في الختام، الثقة هي الجسر الذي نعبر به من وحشة الشك إلى نور اليقين، من ضعفنا إلى قوة العلاقة، وهي كما قلت بدقة ليست سهلة المنال، لكنها عندما تُمنح وتُصان تصبح أغلى كنز في رحلة حياتنا، من دفء أحضان الأسرة إلى رحابة العالم.




