
هُوَ مَثَلٌ شَعْبِيٌّ ثَقِيلُ الظِّلِّ، خَفِيفُ اللَّفْظِ، لَكِنَّهُ يَضْرِبُ فِي أَعْمَاقِ قُلُوبِنَا حِينَ نَجِدُ أَنْفُسَنَا نُرَدِّدُهُ فِي لَحَظَاتِ الضِّيقِ دُونَ أَنْ نَدْرِي، ذَلِكَ المَثَلُ الَّذِي يَقُولُ “أعتَابٌ وَكِعَابٌ وَنَوَاصِي”، وَكَأَنَّ الأَقْدَارَ قَدِ اجْتَمَعَتْ فِي ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ لِتُطْبِقَ عَلَى حَيَاتِنَا المَنْزِلِيَّةِ وَالعَاطِفِيَّةِ وَاليَوْمِيَّةِ.
فَأَمَّا الـ “أعتَاب” فَلَيْسَ كَمَا نَظُنُّ مِنْ لَوْمِ الأَحْبَابِ، بَلْ هُوَ فِي المَوْرُوثِ الشَّعْبِيِّ ذَلِكَ العَتَبُ فِي المَنْزِلِ الجَدِيدِ، فَمَا إِنْ تَضَعَ مِفْتَاحَكَ فِي بَابِ بَيْتٍ لَمْ تَسْكُنْهُ مِنْ قَبْلُ، حَتَّى تَتَفَاجَأَ بِأَنَّ الأَقْدَارَ قَدْ أَعَدَّتْ لَكَ قَائِمَةً مِنَ المُفَاجَآتِ، فَرُبَّمَا يُصَابُ أَحَدُ أَهْلِكَ بِمَرَضٍ، أَوْ تَتْلَفُ مَوَاسِيرُ المَاءِ فِي لَيْلَةِ شِتَاءٍ قَارِسَةٍ.
وَأَمَّا “الكِعَابُ” وَهِيَ الكَلِمَةُ الأَكْثَرُ تَعْقِيدًا وَإِثَارَةً لِلْجَدَلِ، إِذْ تَرْتَبِطُ بِذَلِكَ القَادِمِ الجَدِيدِ إِلَى العَائِلَةِ عَبْرَ الزَّوَاجِ، فَتَتَزَوَّجُ الِابْنَةُ أَوِ الِابْنُ، وَتَمْتَلِئُ القَاعَةُ بِالهُتَافَاتِ وَالوُرُودِ، لَكِنَّ الغَرِيبَ أَنَّ الأَحْدَاثَ تَبْدَأُ بِالدَّوَرَانِ بَعْدَ انْقِضَاءِ أُسْبُوعِ العَسَلِ، فَتُصَابُ الزَّوْجَةُ بِمَرَضٍ غَامِضٍ، أَوْ يَخْسَرُ الزَّوْجُ وَظِيفَتَهُ بَيْنَ عَشِيَّةٍ وَضُحَاهَا، وَيَبْدَأُ الطَّرَفَانِ فِي النَّظَرِ إِلَى بَعْضِهِمَا البَعْضِ فِي تَسَاؤُلٍ صَامِتٍ: هَلْ كَانَ قُدُومُ هَذَا الإِنْسَانِ شُؤْماً عَلَى الآخَرِ أَمْ أَنَّ الأَقْدَارَ تَلْعَبُ لُعْبَتَهَا؟
وَأَخِيراً تَأْتِي “النَّوَاصِي” وَهِيَ الكَلِمَةُ الَّتِي كُنْتُ أَجْهَلُ مَعْنَاهَا حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّهَا تِلْكَ الخُصْلَةُ الأَمَامِيَّةُ مِنْ شَعْرِ الفَرَسِ الَّتِي كَانَ العَرَبُ يَرْبِطُونَ بِهَا التَّمَائِمَ وَيَتَفَاءَلُونَ أَوْ يَتَشَاءَمُونَ مِنْهَا، لَكِنَّهَا فِي عَصْرِنَا الحَالِيِّ تَحَوَّلَتْ إِلَى سَيَّارَةٍ جَدِيدَةٍ تَشْتَرِيهَا بَعْدَ سَنَوَاتِ ادِّخَارٍ، وَمَا إِنْ تَخْرُجَ بِهَا مِنَ المَعْرِضِ حَتَّى تَجِدَ الدُّنْيَا قَدِ امْتَلَأَتْ بِالمَطَبَّاتِ، وَتَكْتَشِفَ أَنَّ سَيَّارَاتِ التَّاكْسِي أَصْبَحَتْ تَتَقَصَّدُكَ فِي كُلِّ تَقَاطُعٍ، وَكَأَنَّ نَاصِيَةَ الفَرَسِ القَدِيمَةَ انْتَقَلَتْ لِتَسْكُنَ فِي عَجَلَةِ القِيَادَةِ لَدَيْكَ!
وَرُبَّمَا تَسَاءَلْتَ فِي لَحْظَةِ غَضَبٍ: لِمَاذَا كُلُّ هَذِهِ المُصَادَفَاتِ تَحْدُثُ لِي وَحْدِي؟ وَلِمَ تَحْمِلُ هَذِهِ الكَلِمَاتُ الثَّلَاثُ هَذَا الحُضُورَ الطَّاغِيَ فِي حَيَاتِي كُلَّمَا انْتَقَلْتُ إِلَى مَرْحَلَةٍ جَدِيدَةٍ؟
الوَاقِعُ أَنَّنِي وَجَدْتُ نَفْسِي مِرَارًا أُرَدِّدُ هَذَا المَثَلَ فِي مُنَاسَبَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَهُنَا تَوَقَّفْتُ طَوِيلاً مَعَ نَفْسِي؛ لَمْ أَكُنْ أُصَدِّقُ هَذِهِ الخُرَافَاتِ يَوْمًا، لَكِنَّ تَكْرَارَ هَذِهِ الوَقَائِعِ جَعَلَنِي أَسْتَيْقِظُ كُلَّ صَبَاحٍ وَأَنَا أَتَسَاءَلُ: هَلْ أَنَا حَقّاً مُصَابٌ بِهَذَا المُثَلَّثِ الشَّعْبِيّ؟!
غَيْرَ أَنَّ التَّأَمُّلَ العَمِيقَ أَوْصَلَنِي إِلَى خُلَاصَةٍ نَفْسِيَّةٍ طَرِيفَةٍ، وَهِيَ أَنَّنَا، مَا إِنْ نَحْفَظَ مَثَلاً شَعْبِيّاً أَوْ نَسْمَعَ خُرَافَةً حَتَّى نُصْبِحَ كَالصَّيَّادِينَ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ إِلَّا مَا يَبْحَثُونَ عَنْهُ؛ فَكُلُّ عُطْلٍ مَنْزِلِيٍّ يُصْبِحُ “أعتَاباً”، وَكُلُّ خِلَافٍ زَوْجِيٍّ بَسِيطٍ يَتَحَوَّلُ إِلَى “كِعَابٍ”، وَكُلُّ عَثْرَةِ طَرِيقٍ أَوْ وَخْزَةِ إِطَارٍ تُصْبِحُ “نَاصِيَةً” شِرِّيرَةً، فِي حِينِ أَنَّنَا نَتَجَاهَلُ تَمَامًا الأَيَّامَ الجَمِيلَةَ الَّتِي مَرَّتْ بِسَلَامٍ، فَلَا نُسَجِّلُهَا فِي دَفْتَرِ التَّفَاؤُلِ، وَلَا نَنْسُبُهَا إِلَى بَرَكَةِ المَنْزِلِ أَوِ الزَّوَاجِ أَوِ السَّيَّارَةِ.
وَلَوْ أَنْصَفْنَا أَنْفُسَنَا قَلِيلاً لَقَلَبْنَا المُعَادَلَةَ وَصَارَ كُلُّ يَوْمٍ هَادِئٍ فِي البَيْتِ الجَدِيدِ هُوَ “أعتَابٌ” مُبَارَكٌ، وَكُلُّ لَحْظَةِ حُبٍّ فِي الزَّوَاجِ هِيَ “كِعَابٌ” مَلِيءٌ بِاليُمْنِ، وَكُلُّ رِحْلَةٍ نَاجِحَةٍ بِالسَّيَّارَةِ هِيَ “نَاصِيَةٌ” بَيْضَاءُ تُشِعُّ نُورًا، لَكِنَّ الُرُوحَ العَرَبِيَّةَ الَّتِي تَعْشَقُ الطَّرَائِفَ وَالأَمْثَالَ تَجِدُ فِي التَّشَاؤُمِ مُتْعَةً خَاصَّةً! فَكُلُّ مَا يَحْدُثُ لَنَا هُوَ مَزِيجٌ سَاخِرٌ مِنَ الصُّدَفِ وَقِرَاءَةِ النَّوَايَا الحَسَنَةِ أَوِ السَّيِّئَةِ.
وَلَوْ جِئْنَا إِلَى الحَلِّ النِّهَائِيِّ السَّاخِرِ لَقُلْتُ لَكَ: لِكَيْ تَتَجَنَّبَ هَذِهِ الثُّلَاثِيَّةَ المَشْؤُومَةَ، عَلَيْكَ أَنْ تُدْرِكَ أَنَّ الأعتَابَ وَالكِعَابَ وَالنَّوَاصِيَ لَيْسَتْ سِوَى بَهَارَاتِ الحَيَاةِ الَّتِي تَمْنَحُهَا طَعْماً وَنَكْهَةً؛ فَبِدُونِ هَذِهِ المَشَاقِّ الصَّغِيرَةِ الَّتِي نَضْحَكُ عَلَيْهَا فِيمَا بَعْدُ، كَيْفَ كَانَتْ سَتُرْوَى مَجَالِسُنَا وَتُحْكَى حِكَايَاتُنَا؟ وَكَيْفَ كَانَ سَيَبْقَى ذَلِكَ المَثَلُ الشَّعْبِيُّ حَيّاً يَتَدَاوَلُهُ الأَحْفَادُ عَنِ الأَجْدَادِ، لَوْ لَمْ نُجَرِّبْ نَحْنُ بِأَنْفُسِنَا وَقْعَ كَلِمَاتِهِ عَلَيْنَا وَنَسْخَرْ مِنْهَا بِخِفَّةٍ؟
لِأَنَّ الحَيَاةَ فِي النِّهَايَةِ لَيْسَتْ مَحَطَّةَ قِطَارٍ بِلَا عَوَائِقَ، بَلْ هِيَ رِحْلَةٌ مُمْتِعَةٌ نَتَنَقَّلُ فِيهَا بَيْنَ بُيُوتٍ وَأَزْوَاجٍ وَسَيَّارَاتٍ، نَتَعَثَّرُ قَلِيلاً، نَسْقُطُ قَلِيلاً، ثُمَّ نَنْهَضُ مُمْسِكِينَ بِأَهْدَابِ التَّفَاؤُلِ وَنُرَدِّدُ: رُبَّ عِتَابٍ كَانَ بَابَ خَيْرٍ، وَرُبَّ كِعَابٍ جَلَبَ البَرَكَةَ، وَرُبَّ نَاصِيَةٍ سَوْدَاءَ قَادَتْنَا إِلَى طَرِيقٍ أَكْثَرَ بَيَاضًا.
وَلَوْ كَتَبْتُ كُلَّ مَا حَدَثَ مَعِي مِنْ قِصَصٍ فِي هَذَا السِّيَاقِ لَخَرَجَ لَنَا كِتَابٌ مُمْتَلِئٌ بِالضَّحِكَاتِ وَالدُّرُوسِ، لَكِنْ حَسْبِي الآنَ أَنْ أَقُولَ إِنَّ هَذَا المَثَلَ لَمْ يَعُدْ بِالنِّسْبَةِ لِي تَشَاؤُمًا، بَلْ صَارَ بِطَاقَةَ تَرْحِيبٍ سَاخِرَةً بِكُلِّ جَدِيدٍ فِي حَيَاتِي؛ فَأُرَحِّبُ بِالأعتَابِ إِذَا جَاءَ مُبَكِّراً، وَأُرَحِّبُ بِالكِعَابِ إِذَا اخْتَلَفْنَا ثُمَّ تَصَالَحْنَا، وَأُرَحِّبُ بِالنَّوَاصِي إِذَا تَعَطَّلَتْ قَلِيلاً ثُمَّ انْطَلَقَتْ مُجَدَّداً، لِأَنَّ مَا لَا يَقْتُلُنَا يَجْعَلُنَا أَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى تَرْدِيدِ الأَمْثَالِ الشَّعْبِيَّةِ بِابْتِسَامَةٍ عَرِيضَةٍ.
وَنَحْنُ نُؤَكِّدُ لِأَنْفُسِنَا وَلِلْقَارِئِ أَنَّ الَّذِي يَتَكَرَّرُ فِي حَيَاتِنَا لَيْسَ شُؤْماً، بَلْ هُوَ اخْتِبَارٌ خَفِيٌّ لِقَلْبِ المَثَلِ رَأْساً عَلَى عَقِبٍ، فَنَجْعَلَهُ “أعتَاباً” مُبْهِجاً لِاسْتِقْبَالِ الضُّيُوفِ، وَ”كِعَاباً” يَمْلَأُ البَيْتَ ضَحِكَاتٍ، وَ”نَوَاصِيَ” تُرَفْرِفُ عَالِياً كَرَايَةِ انْتِصَارٍ فَوْقَ كُلِّ عَثْرَةٍ نُوَاجِهُهَا. هَكَذَا أَرَدْتُ لِهَذَا المَقَالِ أَنْ يَكُونَ نُزْهَةً خَفِيفَةً فِي دَهَالِيزِ تُرَاثِنَا، لِكَيْ تَزِيدَنِي إِيمَاناً بِأَنَّ الخُرَافَاتِ لَيْسَتْ إِلَّا مِنْ نَسِيجِ خَيَالِنَا.



