
في زمنٍ تسارعت فيه إيقاعات الحياة، وكثرت فيه المشاغل، وضاقت أوقاتنا حتى كادت لا تتسع لأنفسنا، يبقى الإيثار تلك النافذة التي يتسلل منها الضوء إلى قلوبنا؛ إنها صفةٌ إنسانيةٌ نبيلةٌ تجعل صاحبها يرى احتياجات الآخرين قبل احتياجاته، ويفرح لعطائهم كما يفرح لعطائه.
وقد يظنُّ البعض أنَّه مقصورٌ على التضحيات الكبرى، لكنه في حقيقته يمتد من أبسط الأمور إلى أكبرها، فهو ذلك الصديق الذي يعلم أن صديقه يبحث عن كتابٍ نادرٍ أو عن عملٍ أو عن فرصة ثمينة، فلا يلبث أن يبادر بالاتّصال به ليخبره بأنّه وجد له ما يبحث عنه دون أن ينتظر مقابلًا أو يشترط عائدًا، وذلك الجار الذي يشاركُكَ فرحتك ويواسيك في حزنك، وذلك الشخص الذي يتنازل عن مقعده في الحافلة لمن هو أحوج إليه، وفي صورته الأعظم هو التضحية بالمال والوقت والجهد بل بالأرواح أحيانًا من أجل الآخرين.
إنّه الأب الذي ينسى كلّ تعبه في العمل من أجل إسعاد أهل بيته، والعالِم الذي يكرِّس عمره لخدمة البشريّة، والأم التي تترك لنفسها القليل لتعطي أبناءها الكثير.
وفي عالمنا المعاصر حيث تتصاعد وتيرة الحياة وتتضخم الفردية وتتسع هوة المسافات بين الناس، نصبح في أمسِّ الحاجة إلى الإيثار لأنه الجسر الذي يعيد بناء الثقة المفقودة، والنافذة التي تهبُّ علينا منها نسائم الأمل في زمن الضيق، والدواء الشافي للأنانية التي تتسلل إلى قلوبنا، فهوَ يذكرنا بأننا جزء من مجتمع واحد، وأن سعادة الآخرين لا تنقص من سعادتنا شيئًا بل تزيدها وتضاعفها.
بالإيثار يبني كلٌّ من موقعِهِ مجتمعًا متماسكًا حيث التكافل والتضامن هما عنوان المرحلة، إذ هو لا يقتصر على ثقافة أو دين معين بل إنَّه قيمة إنسانيَّة عالمية، قيمة تجمع ولا تفرق وتبني ولا تهدم.
ولنزرع هذا الخلُقَ في حياتنا علينا أن نكون أكثر وعيًا باحتياجات من حولنا ونتجاوز انشغالنا بأنفسنا، وألا ننتظر حتى يُطلب منا العون بل نكون أول المبادرين، وأن نبدأ بالأمور البسيطة لأنها تمهد للكبيرة وتجعل الإيثار عادة وسلوكًا يوميًّا، وأن نغرس هذه القيمة في نفوس أبنائنا منذ الصغر ليصبحوا آباءً وأمهاتٍ يؤثرون غيرهم، وهذا ليس ضعفًا أو تنازلًا بل هو قوة في أعلى صورها، إنه قرار واعٍ بأن نكون جزءًا من الحلِّ لا جزءًا من المشكلة.
وفي وقتٍ كثرت فيه التحديات نحتاج إلى أن نعيد تعريف النجاح لا ليشمل ما نحققه لأنفسنا فحسب، بل ما نقدمه للآخرين، فلنبدأ اليوم فردًا فردًا بإيثارٍ بسيط، بكلمةٍ طيبة، أو ابتسامةٍ صادقة، أو مساعدةٍ عابرة، أو اتصالٍ يبشّر صديقًا بفرصةٍ انتظرها طويلًا، ولنطبق في حياتنا قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} (الحشر 9)، فمن هذه البذور الصغيرة تنمو غاباتٌ تظلل بظلّها الوارف إنسانيةً أكثر دفئًا ومجتمعًا أكثر تلاحمًا وحياةً تستحق أن تُعاش.




