أخبار المدن

(مُحدَثُ النِّعمة)

بقلم الكاتب والروائي كامل جميل مراد

نحن نعيشُ في مرحلةٍ زمنيَّةٍ صعبةٍ تشهد تحوُّلاتٍ اجتماعيَّةً متسارعة، لذلك تبرز ظاهرةٌ إنسانيَّةٌ تستحقُّ منّا وقفةً متأنِّية، إنَّها ظاهرة “مُحدَث النِّعمة”، ذلك الشَّخص الذي كان يعيش حياةً بسيطةً هادئة، ثمَّ فجأةً تنقلب أحوالُه وتتفتَّح له أبواب الرِّزق، فينتقلُ من شريحةٍ دنيا إلى عليا، لتبدأ رحلةٌ جديدةٌ يحمل فيها أحلامًا كبيرةً ورغبةً جامحةً في الاندماج مع محيطه الجديد، لكنَّ المفارقة العجيبة أنَّ هذه الرِّحلة التي تبدأ بالطُّموح والتَّفاؤل غالبًا ما تنحرف بسرعةٍ لتتحوَّلَ إلى اختبارٍ خُلُقيٍّ صعب، فما إن تستقرَّ قدمه في المكانة الجديدة حتى تبدأ ملامح التَّغيير بالتَّسلل إلى روحه وطباعه، فيتحوَّل من ذلك الإنسان البسيط لَيِّن الجانب إلى شخصٍ آخرَ تغيرَّت نظرتُه للدُّنيا والنّاس؛ كان هذا الشَّخص بالأمس القريب لسانُه رطبٌ بكلمات التَّواضع، لكن مع بداية الصُّعود تغيَّرَ حديثه من الأحلام الشَّخصيَّة والهموم اليوميَّة إلى الحديث المتواصل عن الإنجازات والصَّفَقات.
ومع مرور الأيام تتعمَّقُ الهُوَّةُ وتتغيَّرُ لغة الجسد والنَّظرة إلى الآخرين، فلم يعد ينظر إلى أصدقائه القدامى وأقاربه بعين الرِّضا كما كان يفعل، بل أصبحت نظراتُه تحمل شيئًا من التَّعالي ويتحوَّل حديثه إلى نقدٍ لاذعٍ يصِفُ فيه مجتمعَه القديم بالسَّذاجة؛ والأغربُ في هذا التَّحوُّل أنَّ الغرور الذي يلبسه هؤلاء ما هو إلا قناعٌ يُخفي خوفًا عميقًا مكبوتًا بداخلهم، فهم لم يكونوا يومًا متكبِّرين في جوهرهم، لكنهم عاشوا طويلًا حالةً من الحرمان النَّفسيِّ والاجتماعيِّ، فلمّا أُوتوا النِّعمة فجأة لم يستطيعوا تحمُّل ثِقلها فتحوَّل ذلك الشُّعور القديمُ بالنَّقصِ إلى شعورٍ مبالغٍ فيه بالقيمة الذّاتيَّة، إنَّهم يخافون في الحقيقة من فقدان جديدِهم، فيظنوّن بسذاجةٍ أنَّ التَّخلِّيَ عن مجتمعِهم القديمِ وحرقَ جسورِ المحبَّةِ معه هو الثَّمن الواجب دفعُه للقبول في المجتمع الجديد، متناسينَ أنَّ الأخلاقَ الرَّفيعةَ والتَّواضعَ الجَمَّ بطاقةُ الدُّخول الحقيقيَّةُ إلى القلوب قبل الأماكن، وأنَّ النّاسَ في الطَّبقاتِ العُليا يُقدِّرونَ المتواضعَ أكثرَ ممّا يُقدِّرونَ المتعالي، فَهُم إذ وُلِدوا في النَّعيمِ لا يحتاجونَ إلى مَن يتباهى بحركاتهم وسكناتهم لأنَّ التَّرفَ لديهم عادةٌ لا دهشة، والتواضعَ طبعٌ لا تكلُّف، لذلك ينظرون إلى محدثِ النِّعمةِ المتعالي نظرةً تتراوحُ بين السُّخرية والاشمئزاز، فيجدونَه مبتذلًا قبل أن يجدوه غنيًّا، وهذا هو القصاص الاجتماعيُّ العادل الذي يجهله المتكبِّر.
ومن منظار القيم والأخلاق، تُعدُّ هذه النَّقلة الطَّبقيَّةُ ابتلاءً بالسَّرّاء لا مجرَّدَ تكريمٍ يتوِّجُ الاجتهاد، كما قال الله -تعالى- في محكم تنزيله: (لَئن شكرتُم لأزيدَنَّكُم)، فالشُّكرُ الحقيقيُّ لا يكون بتحريك اللِّسان فقط، بل باستدامة التَّواضع والاعترافِ الدّائمِ بأنَّ كلَّ ما نملكُه هو مجرَّدُ عطاءٍ من الله يمكن أن يزولَ في طَرفة عَين، فالنِّعمة كالطّائر الجميل؛ إذا ربَطتَها بالتَّواضع استقرَّت في يدك، وإذا أطلقتَ لها عنان الغُرور حلَّقَت بعيدًا لتستقرَّ في عشٍّ غيرِ عشِّك.
والعاقبة المحتومة لهذا الغرور لا تكون إلّا وخيمة، فهذا الشَّخص إمّا أن تتعثَّر نعمتُه أو تزول عنه تمامًا فيفقدَ مجتمعَيه معًا: القديمَ لأنَّه هجرَه واحتقرَه، والجديدَ لأنَّه لم ينتمِ إليه حقًّا وظلَّ ينظر إليه بصفتِه دخيلًا يحاول إخفاء ماضيه، وإمّا أن يصحوَ يومًا بعد صدمةٍ أو وعكةٍ صحِّيَّةٍ ليكتشفَ أنَّ اليد المبسوطةَ التي تمدُّ إليه العون في الشِّدَّة ليست يد مجتمعِه الجديد، بل يد ذلك المجتمع القديم الذي تخلّى عنه وظنَّ أنَّ التَّخلِّيَ عنه هو طريق الرُّقيّ، لكنَّه يكون قد أحرَقَ تلك المشاعر، فلم يبقَ له من الأمر سوى الذِّكريات الأليمة وعذاب النَّدم الذي لا ينفع حينها.
وفي ختام هذه التَّأمُّلات، يبقى السُّؤال الأهمُّ الذي لا مفرَّ منه: (هل يغيِّرُ المالُ شيئًا من حقيقة هذا الإنسان وجوهره الحقيقيّ؟) لا؛ مهما ارتفعَت أسهُمُه في البورصة، ومهما امتدَّت ملكيَّتُه من عقارات واستثمارات، فلن يستطيعَ هذا المالُ أن يمسحَ بصمةَ تاريخه، ولن يغيِّرَ من جوهرِه الذي تشكَّلَ على مرِّ السِّنينِ الطَّويلة، لأنَّه يظَلُّ ذلك الإنسانَ الذي يحمل في ذاكرتِه بداياتِه وعرقَ جبينِه وقسوةَ الأيّام التي مضت، فإن لم يستطع أن يتباهى بتواضعِه وصدقِه مع نفسِه قبل الآخرين، فسيبقى هذا الغرورُ مجرَّدَ قناعٍ رخيصٍ يُخفي وراءه فراغًا روحيًّا لا تملؤه الملايين، لأنَّ المال لا يغيِّرُ الجوهر بل يكشفه، فإن كانَ في طبعِه تواضعٌ زادَته النِّعمةُ لينًا وكَرَمًا وعطفًا على ذوي الحاجة، وإن كان في نفسه تعالٍ مكبوتٌ جاءتِ الثَّروةُ لتخلعَ عنه كلَّ كوابحِ الخوفِ فيُفضي به الأمر إلى تلك العُزلة والنَّدم الذي لا ينفع.
وحَسبُ المرءِ جهلًا أن يَظُنَّ بأنَّ ما في جيبِه يعلو على ما في قلبِه، وأنَّ المالَ الجديدَ يمكنُه أن يشتريَ له ماضيًا جديدًا يختلفُ عن حقيقتِه التي لا تُمحى، فالتَّواضعُ هو الحارسُ الأمينُ للنِّعمة والسَّببُ الأكبرُ في دوامها، فمن أرادَ أن تدومَ نعمتُه فليحفَظها بحُسنِ الخُلُق ولينِ الجانبِ وصدقِ التَّواضع، وَلْيَذكُر دائمًا أنَّهُ مهما علا في الدُّنيا فإنَّه سيبقى ابنَ أيّامِه الأولى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى